| | 
| يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر - حلب | | السبت 18 - 5 - 2013 - رقم العدد 13692
|
|
|
| السادة القراء الكرام ...
بإمكانكم متابعة (( صحيفة الجماهير )) عبر الشبكة العنكبوتية على الرابظ التالي :
jamahir.alwehda.gov.sy
ونرحب بملاحظاتكم ومقترحاتكم ومشاركاتكم على البريد الالكتروني التالي :
Aljamaheerdailynews@hotmail.com |
عندما تكتمل اللوحة
حلب فضاءات الجماهير الثقافي الخميس 12-7-2012 د. أحمد زياد محبك هي لوحة بسيطة جداً، وعفوية جداً، يرسمها كل يوم ملايين الأطفال في العالم، وإن لم يكونوا موهوبين أو رسامين أو فنانين، بل من غير أن يقصدوا إلى رسمها، ومن غير أن يدركوا معانيها وأبعادها، وهي لوحة لها مثيل
في كثير من اللوحات الفنية في العالم كله، بل هي لوحة لها مثيل في كثير من البيوت والمطاعم والفنادق، هي لوحة بسيطة، وقد تضاف إليها بعض العناصر، ثم قد تضاف إليها عناصر أخرى، وعندئذ تكتمل اللوحة. بكل بساطة هي لوحة تحمل في المركز منها، أو في البؤرة رسم بيت، سطحه مستو، أو مقبب، أو مائل، هكذا بكل بساطة وعفوية يرسم الأطفال في وسط ورقة بيضاء بيتاً، ثم يرسمون وراءه جبلاً وشمساً ساطعة وبضع غمامات، ثم يرسمون أمامه نهراً وعليه جسر، أو يرسمون أمامه طريقاً ويضعون حول حافاتها أعشاباً وأشجاراً، وقد يضيفون إلى الحقل المحيط بالبيت بضع غنمات ترعى، وقد يرسمون راعياً وفي فمه شبابة، ثم تكتمل اللوحة، بل تضج فيها الحياة، عندما يرسمون فوق سطح البيت مدخنة والدخان يتصاعد منها، ثم يضيفون طيوراً تحلق في السماء، أو بطات تسبح في النهر. كثير من الأطفال رسموا مثل تلك اللوحة، بتفاصيل أكثر أو أقل، وكثير من اللوحات الفنية تشبه تلك اللوحة البدائية، وقد تكون أكثر منها دقة أو فنية أو تكاملاً، ولكن لماذا يرسم الأطفال تلك اللوحة حتى وإن لم يروا نهراً ولاجسراً، ولم يعرفوا حقلاً ولم يزوروا نهراً، ولم يتسلقوا جبلاً؟ هذا البيت هو تعبير لا شعوري عن رغبة بدائية فطرية قديمة راسخة في لا شعور الإنسان، وهي الحاجة إلى مأوى (shelter) في قلب الطبيعة، هذا المأوى هو الذي يوفر للإنسان الحماية من الوحوش الكاسرة والأمان من مخاطر الطبيعة، ويحقق له الراحة والطمأنينة، ويمنحه حس الوجود بين أربعة جدران، وتحت سقف، ويؤكد أن له كياناً وموطئ قدم يمنحه حس التملك، وأنه تحت سقف، وليس في العراء، وهذا الشعور يمنحه الوعي بذاته، والإحساس بوجوده الحر المستقل، وإن كان بين أربعة جدران. إن البيت يحمي الإنسان من الشمس الساطعة، ومن الوحوش القادمة من الغابة، ومن الأمطار الهاطلة من الغيوم في السماء، ومن الرياح العاصفة من وراء الجبال، ومن فيضان النهر الذي يمر بالقرب من البيت، ولذلك يقع البيت في البؤرة من اللوحة، وفي الوسط من تلك العناصر الطبيعية. كما أن البيت يعني تملك الأرض التي حوله، ولذلك غالباً ما يرسم سياج حول البيت، لتأكيد التملك والحماية، ودفع الغوائل، وصد الدخلاء، وغالباً ما يرسم البيت وحده منفرداً، ولا بيت آخر بالقرب منه، لتأكيد الملكية للمنطقة، وتأكيد التفرد والامتياز، وقد ترسم بعض الغنمات حول البيت وهي ترعى، مما يعنى ممارسة الحياة والتوسع. وتنبض الحياة في اللوحة عندما ترسم المدخنة والدخان يتصاعد منها، مما يعني وجود حياة عائلية في البيت، فثمة أم تطبخ الطعام، وأطفال سوف يأتون، وأب في الحقل يزرع أو يرعى الغنمات وسيرجع إلى البيت مساء، وهكذا تنضاف الحياة الاجتماعية إلى الحياة الطبيعية في اللوحة، وإذا كانت الأسقف والجدران تمنح الدفء والأمان الطبيعي، فإن الدخان المتصاعد من المدخنة يمنح الدفء البشري، فثمة أم وأب وأطفال، أي إن هناك أسرة، تمنح نوعاً آخر من الدفء، ونوعاً آخر من الأمان، الأمان مع الأسرة والدفء في داخل الأسرة، هو الحنان البشري، والحس الإنساني، وهو نوع آخر من الحماية، هي أهم من حماية الجدار أو السقف، وهي نوع آخر من الرعاية، هي رعاية الأم والأب، وإذا كان سرب الحمام في السماء أو الإوز في النهر يمنح شيئاً من التسلية والإحساس بوجود الحركة والحياة، فإن هناك تسلية بشرية ومرحاً إنسانياً، هو اللعب مع الإخوة في البيت والتسلية معهم، وإذا كان الأب والأم والإخوة لا يظهرون في اللوحة، فهذا لأنهم داخل البيت، ولأنهم موجودون في داخل النفس، هم موجودون ضمناً في الأعماق، ولا ضرورة لظهورهم في اللوحة، لأنهم جزء أساسي من البيت، بل لعل ظهورهم المجسد الواضح والمباشر يغير من مضمون اللوحة، ويجعلها لوحة مجموعة بشرية، وما هي كذلك، هي لوحة فرد في العالم، يستشعر ذاته، ويحس بوجوده، وينتمي إلى العالم، فاللوحة تصور ذاته والعالم، وكل العناصر الأخرى جزء من ذلك العالم. وإذن فاللوحة هي لوحة الفرد يحتمي من الطبيعة بالبيت، وهي لوحة الفرد يحقق ذاته في البيت بما هو متوقع أن يكون في البيت من أم وأب وإخوة، بالإضافة إلى ما يوفره البيت من دفء وأمان وحماية وإمكانية اللجوء والراحة والعيش. ووجود بيت منفرد في وسط اللوحة، في قلب الطبيعة، وهو مغلق، يحتوي بداخله صاحبه، وهو خاص به، فهو أشبه بالأم، بل هو أشبه بحضن الأم، أو بشكل أدق هو الرحم، والعودة إليه هي العودة إلى الأم وإلى الحضن وإلى الرحم، حيث الدفء والأمان والحنان وحيث الحياة الأولى. وهكذا، فإن البيت حاجة إنسانية فطرية، هي حاجة الإنسان إلى الإحساس بالاحتواء، على نحو ما كانت الأم تحتويه في رحمها، ثم في حضنها، وهي حاجة الإنسان إلى الاحتماء من مخاطر الطبيعة، ومخاطر الحيوان، ومخاطر الإنسان، فالبيت أمن وأمان، وفي البيت يحس الإنسان بوجوده، فحجم الإنسان كبير في البيت مهما كبر البيت، ولكن حجم الإنسان في الطبيعة صغير مهما كبر حجم الإنسان، ولذلك يطمئن الإنسان داخل البيت إلى ذاته، ويشعر بذاته، ويحس بكيانه، ويدرك أنه موجود ومحمي. ولذلك، ولأسباب أخرى كثيرة، يبتني الإنسان البيوت، ويصنعها وفق ما يلبي رغباته، ووفق ما يحقق ذاته، ولذلك فإن بيت المرء هو ذاته، وهو هو نفسه. وحتى حين يصطنع الإنسان الحدائق الواسعة فإنه لا يستغني عن البيت، فهو يبني في داخلها ما يسمى الشاذروان، وهو بناء دائري يعلو بضع درجات، قوامه بضعة أعمدة، لا جدران بينها، تحمل سقفاً مقبباً، أو قد تحمل سقفاً في وسطه دائرة مفتوحة، وهذا البناء لا يوفر ما يوفره المنزل ذو الجدران من حماية، ولكنه يوحي بالأمان، ويوحي بالشعور بأنك في مكان لا في فراغ، وفي هذه الحدائق أيضاً توضع مقاعد، وغالباً ما تحاط هذه المقاعد بعرائش للياسمين أو أنواع أخرى من النباتات والزهور، وغالباً ما يكون لهذه العرائش سقف يمتد فوق المقعد ليظلله، ومثل تلك العريشة توحي للقاعد في ظلها أنه محاط وأنه محمي وكأنه قاعد في حضن. وحتى في الشواطئ يلجأ المصطافون إلى المظلات، وهي لا تمنحهم الظل فحسب لتحميهم من الشمس، بل هي تمنحهم الشعور بأنهم داخل احتواء، يمنحهم الخصوصية والأمان، يؤكد ذلك أن مثل تلك المظلات لا تستعمل في الشمس فحسب، بل تستعمل أيضاً في الليل. وحين تضاف إلى اللوحة أسراب الطيور في السماء، وأسراب البط والإوز في النهر، وقطعان الغنم في السهول، وحين تلون الأشجار بالأخضر، وترسم عليها بعض الثمار، وحين يلون النهر بالأزرق، فإن هذا يدل على الحلم بالخير والخصب والعطاء، والتطلع إلى الراحة والأمان والسلام، والأمل في الخصب والخير العميم، وهو تعبير عن حلم البشرية كلها، بتحول العالم إلى جنة خضراء، يسودها السلام والأمان والحب، وهو حلم البشرية، ويمثل الرغبة في الخلاص، وتحقيق العدل والسلام والجمال والنعيم الكلي المطلق، وبذلك يكون هذا الحلم ذا طابع ديني، لأن هذا هو حلم الأنبياء والقديسين وهو وعد الله للمؤمنين بالجنة، وكأن هذه اللوحة هي في العمق تعبير غير واع وغير مكتمل عن الحلم بالجنة. وقد ينظر إلى اللوحة كلها من زاوية أخرى، فالبيت منفرد في وسط اللوحة، وهو متفرد بين الجبال والوهاد وبجوار النهر وليس بجواره أي بيت آخر، مما يوحي بالرغبة في العزلة والوحدة والتفرد، وبما يدل على حب الذات والأنانية، والرغبة في التفرد وبسط السيطرة على الأرض، والنفور من الآخر، وتأكيد الاكتفاء الذاتي بوجود الغنمات والجسر فوق النهر وغياب أي أثر للآخر. والطفل بالطبع لا يقصد إلى هذا كله، ولا بعضه، ولا يعيه، ولا يفكر فيه، ولا يفلسفه، ولكنه يعبر عن رغبة كامنة في نفس الإنسان منذ أن خلق الإنسان، فليس من طفل يرسم بيتاً مهدماً، أو شجرة مقطوعة، أو حيواناً ميتاً، ولا يرسم أفعى في الحقل، ولا ضباعاً ، مع أن في الحقل من غير شك أفاعي وضباعاً وربما فيه مقابر تطوي في داخلها أمواتاً، وما من رجل يشتري لوحة على هذه الشاكلة، ولكن قد يفعل هذا الفنان، فقد يرسم الفنان حقلاً أجرد، أو بيتاً متهدماً، أو سماء ملبدة بالغيوم السود، ولكن الفنان يعي هذا ويقصد إليه ليعبر عن قهره ومعاناته وعن نظرته الواعية إلى العالم، أما الطفل فلا يفعل، وأما الرجل العادي فلا يشتري مثل هذه اللوحة، إلا إذا وعى قهره وأراد أن يشتري لوحة تعبر مباشرة عن قهره ومعاناته، والأمر عندئذ يختلف. وهكذا، فالبيت هو المأوى والسكن والملجأ، إليه يلجأ الإنسان من الطبيعة، يأمن فيه على ذاته من الوحوش والسيول والعواصف وغضب الطبيعة، وإليه يسكن الإنسان مع زوجه، ويمارس الحب، وينجب الأولاد، ليحقق ذاته، ويؤكد وجوده، ويحفظ النوع، وينتقل من كائن فرد تائه في الكون إلى إنسان، ثم إذا هو يصنع أسرة وعشيرة وقبيلة، يحميها ويدافع عنها، ويرجو لها التوسع والامتداد، وإذا البيت يغدو بيوتاً، ويتحول إلى وطن. فالبيت هو من سمات الإنسان وخصائصه اللازمة له، وقد تطور هذا البيت، وتعددت أشكاله وتعددت وظائفه وتنوعت كما تنوعت أنماطه، فإذا هو بيت من أغصان الأشجار ومن وبر الإبل ومن طين ومن حجارة ومن إسمنت ومن زجاج ومن لدائن، وإذا هو كهف ومغارة وكوخ وقصر وعمارة وناطحة سحاب، وإذا هو معبد ومشفى ومدرسة وقرية ومدينة، وإذا هو بيت سعادة وشقاء أو فرح وحزن أو صحة ومرض. وهكذا يغدو البيت هو الحضارة، في مواجهة البدائية والطبيعة، كما يغدو المجتمع والمدينة في مواجهة الفرد، ولكن مع ذلك تبقى الصورة الأولى للبيت ماثلة، وهي تعبيره عن ذات الفرد، لأن الفرد هو الخلية الأولى في المجتمع، ولأن البيت هو الخلية الأولى في القرية أو المدينة أو الوطن. ومما لاشك فيه أن كائنات أخرى تتخذ لنفسها بيوتاً أو جحوراً أو أوكاراً أو أعشاشاً، وهي أيضاً لحفظ النوع وللحماية من الأعداء ومن غضب الطبيعة، ولكن بيت كل كائن من تلك الكائنات هو نفسه منذ آلاف السنين، لم يتطور ولم يتغير، وهو نفسه عند أفراد النوع الواحد لا اختلاف فيه بين بيت وبيت، هو بيت تقود إليه الغريزة، ولا يضاف إليه شيء من تطوير، بخلاف بيت الإنسان. إن بيت الإنسان هو المتعدد والمتنوع والمختلف، وهو المتغير والمتطور، وهو الذي يميز الإنسان من سائر الكائنات، وبه يتميز الإنسان نفسه، وبتميز الإنسان يتميز البيت أيضاً. ولذلك تعددت أنواع البيوت واختلفت، بتنوع الأفراد واختلافهم، لأن البيت هو منذ البدء تعبير عن ذات الفرد. ويمكن القول إن بيت كل إنسان هو صورة عن ذاته، تكوين بيته يعبر عن تكوينه، وأسلوب بنائه وترتيبه وتوزيع أثاثه يمثل نفسيته ومزاجه وطريقة تفكيره وأسلوب تعامله مع الأشياء والناس والعالم من حوله. وبيت الشاعر لابد أن يكون متميزاً، لتميز الشاعر نفسه، وبيت الشاعر دائماً شائق ممتع، يطمح المرء إلى معرفته مثلما يطمح إلى معرفة الشاعر، ولعل في معرفة بيته ما يمكّن من معرفة الشاعر نفسه، بل معرفة الإنسان. وعندما يرسم الشاعر لوحة لبيته إنما يرسم على الأغلب لوحة لنفسه، يجسد فيها أفكاره ومشاعره وأخيلته وربما أوهامه. ومن ذلك بيت الشاعر ميخائيل نعيمة (1889- 1988) وهو يصوره في قصيدة عنوانها: «الطمأنينة»، وترجع إلى عام 1922، وقد ضمنها ديوانه «همس الجفون» المنشور في دار صادر ببيروت عام 1943، وفيها يقول: سقف بيتي حديد فاعصفي يا رياح واسبحي ياغيوم واقصفي يا رعود سقف بيتي حديد من سراجي الضئيل كلما الليل طال وإذا الفجر مات فاختفـي يا نجـوم من سراجي الضئيل باب قلبي حصين فاهجمي يا هموم وازحفي يا نحوس وانزلي بالألـوف باب قلبي حصين وحليفي القضاء فاقدحي يا شرور واحفـري يا مـنون لست أخشى العذاب وحليفي القضـاء الشطر 2 ركن بيتي حجر وانتحب يا شجر واهطلي بالمطر لست أخشى خطر ركن بيتي حجر أستمدّ البصر والظـلام انتشر والنهار انتحر وانطفئ يا قمـر أستمـد البصر من صنوف الكـدر في المـساء والسحر بالشـقا والضجر يا خطـوب البشـر من صنوف الكـدر ورفيقـي القدر حول قلبـي الشرر حول بيتي الحفر لست أخشى الضرر ورفيقـي القدر في هذا البيت يجد الشاعر «الطمأنينة»، وهو عنوان مجرّد، يدل منذ البدء على مضمون القصيدة، ويلخص فكرتها، ويحدّدها، بقدر كبير من المباشرة والوضوح والتقرير، وهي السمات نفسها التي بنيت عليها القصيدة كلها. والقصيدة تتألف من أربعة مقاطع، متفقة كلها في القافية، والذي يحدد كل مقطع هو انتهاء المقطع بالبيت نفسه الذي يبدأ به المقطع، على سبيل التكرار لتأكيد المعنى وترسيخه. والمعاني التي تتضمنها القصيدة تتفرع كلها عن الطمأنينة لتؤكدها أو تصب فيها لتقويها، فالشاعر مطمئن إلى بيته واثق من قوته لأن سقفه من حديد وركنه من حجر فهو لا يخاف الرياح ولا الرعود ولا المطر، والشاعر مكتف بما لديه فهو يستمد ضوءه من سراجه الضئيل ولا يهمه طول الليل ولا موت الفجر ولا انطفاء النجوم أو القمر، والشاعر يملك قلباً صافياً، لذلك لايخاف اقتحام الهموم أو النحوس ولا زحف الشقاء أو الضجر، والشاعر بعد ذلك كله متصالح مع القضاء راض بالقدر، لذلك لا يخاف الشرور ولا الموت ولا الأذى ولا الضرر. وهكذا فالشاعر متحصن ببيته، وهو مطمئن إليه، مكتفٍ به، يملك قلباً صافياً، وهو متصالح مع القدر، وهي كلها معان صوفية، تشف عن نفس آمنة راضية مطمئنة، وهذا يؤكد أن البيت هو مأوى وسكن وملاذ، كما يؤكد أن البيت هو ذات الشاعر. وقد عبر الشاعر عن بعض تلك المعاني من خلال بيته، متخذاً من مكوناته عناصر احتماء وقوة، وهو يحدد صفاتها المميزة لها، فسقف البيت من حديد، وركنه من حجر، وسراجه ضئيل، منه يستمد البصر. أما أكثر تلك المعاني فقد عبر عنها من خلال المجردات تعبيراً تقريرياً مباشراً، ولذلك كثر اعتماد الشاعر على المعاني والألفاظ الدالة على المجردات وقلّت لديه العناصر الحسية، ولم يكن البيت في الحقيقة إلا بداية ومنطلقاً، ولم يكن مركزاً ولا محوراً. وواضح تحول البيت في القصيدة من طين وحجر وحديد إلى قيمة نفسية تتلخص في الطمأنينة. وإذا دل هذا كله على شيء، فإنما يدل على أن البيت بالنسبة إلى الإنسان هو سكن ومستقر، وصورة معبرة عن أفكاره وأخلاقه ومزاجه، أي إن بيت الإنسان هو شخصيته. وغنت فيروز للبيت قصيدة من كلمات الأخوين رحباني، وفيها تقول: يا ريت أنت و أنا بالبيت شي بيت أبعد بيت ممحي ورا حدود العتم والريح والتلج نازل بالدنيي تجريح يضيع طريقك ما تعود تفل وتضل حدي تضل ويزهر و يدبل ألف موسم فل وتضل حدي تضل حدي تضل وما يضل بالقنديل نقطة زيت والبيت الذي تغني له فيروز هو بيت الحب الذي يجمع حبيبين، وتتمنى أن يكون بعيداً وراء الأفق، بل تتمنى أن ينزل الثلج ويعزله عن العالم، وتضيع معالم طريقه، كي لا يغادر الحبيب هذا البيت، وكي يبقى الحبيب معها ولا يغادرها طول العمر، فالبيت هو خلاص من المجتمع، هو بيت الحب الخالد. تلك هي لوحة الطفل الأول، عبر عنها الشاعر بوعي، وعن قصد، ويعبر عنها يومياً ملايين الأطفال في العالم كله كل يوم، سواء رسموا بيتاً أو عمارة أو ناطحة سحاب، فالبيت في النهاية مأوى من الطبيعة وحماية، والبيت في النهاية تحقيق للذات، وتأكيد لحضورها الفردي والأسري والاجتماعي. ولكن، قد يضاف إلى اللوحة أشياء من خارج الطبيعة، لم يخلقها الله أساساً في الطبيعة، ولا هي منها في شيء، ولا هي من الطبيعة البشرية، ولكنها أصبحت للأسف من طبيعتها، أشياء غير متوقعة، ولكنها أصبحت متوقعة، هي طائرات تخترق السماء، وقنابل تسقط على أسقف البيوت، وحرائق تشب في الحقول، وجثث عجول وأغنام، وتتناثر أشلاء الأطفال والنساء والشيوخ، وتظهر في اللوحة بقع حمراء، هي لوحة يعرفها بعض أطفال العالم، هي عناصر يضيفها إلى الطبيعة ملوك وأباطرة وقادة وساسة وتجار حروب ومغامرون ومجرمون معتدون غرباء دخلاء، رسمها على الورق أطفال أبرياء في الجزائر وفيتنام وفلسطين، وفي بقاع أخرى كثيرة من العالم، وفي أزمنة كثيرة، وما يزال أطفال كثر يرسمونها في أمكنة وأزمنة كثيرة من العالم. ولكن ستبقى اللوحة الأجمل هي لوحة الطفل الأول الذي لا يقصد إلى شيء محدد، لا يقصد غير البيت والسهل والجبل والنهر والشمس، ولنا نحن بعد ذلك أن نفسر بحرية العناصر، ونتخيل عناصر أخرى نضيفها إلى اللوحة، ونرجو أن تكون العناصر المضافة إلى اللوحة من الورود والأزاهير والنهر والجبال والشمس والحقول الخضر يتوسطها بيت يتصاعد من مدخنته دخان الموقد ويلعب حول البيت الأطفال.
|
|
|