يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر - حلب
طباعةحفظ


الحفاظ على نظافة البيئة من منظور إسلامي

حلب
الجماهير
محليات
الاثنين 19 - 8 - 2013
البيت والشارع والمدينَة يمثلون المحيط الذي يعيش فيه الإنسان، وهذا المحيط تعرفه البشرية اليوم باسم "البيئة".

وإنه من اللافت للنظر أن يجعل الله جمال هذا المحيط من غايات وجود الإنسان في هذه الحياة، قال تعالى على لسان نبيه صالح: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]. يقول ابن كثير: "أي جعلكم فيها عُمَّارًا تعمرونها وتستغلونها"[1]. كما "قال زيد بن أسلم: استعمركم: أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه من بناء مساكن وغرس أشجار. وقيل: ألهمكم عمارتها من الحرث والغرس وحفر الأنهار وغيرها"[2].‏

إماطة الأذى عن الطريق‏

لقد ارتبط أدنى أشكال الجمال في الطريق بالإيمان في نفوس المسلمين، فلقد جعل رسول الله (ص) إماطة الأذى عن الطريق جزءًا من الإيمان، فقال (ص): "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً؛ فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ"[3]. وإماطة الأذى عن الطريق تعني تنحية وإبعاد كل ما يُؤْذِي؛ من حجر أو شوكٍ أو غيره.‏

وكانت إماطة الأذى تساوي أجر صدقة؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ(ص): "يُمِيطُ الأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ"[4].‏

بل كانت إماطة الأذى مما غفر الله به ذنوب أحد العِباد وأدخله الجنة، وهذا ما أخبر به النبي (ص) فقال: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ"[5]. وفي رواية ابن ماجه: "كَانَ عَلَى الطَّرِيقِ غُصْنُ شَجَرَةٍ يُؤْذِي النَّاسَ، فَأَمَاطَهَا رَجُلٌ، فَأُدْخِلَ الْـجَنَّةَ"[6].‏

بل كانت إماطة الأذى من أفضل أعمال الأمة بنص حديث رسول الله(ص): "عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ"[7].‏

ونعجب حين نسمع الصحابي الجليل أبا برزة يسأل النبي(ص) : فيقول: يا نبي الله، علمني شيئًا أنتفع به. فإذا بجواب النبي(ص) يكون: "اعْزِلِ الأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْـمُسْلِمِينَ"[8].‏

ولربما ندهش أكثر حين نسمع وعيد النبي الشديد لمن يخالف هذا، حيث يقول (ص): "مَنْ آذَى الْـمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ"[9].‏

إنها إذن نصوص من السُّنَّة تعني بأمر "إماطة الأذى عن الطريق"، ولم نقصد الاستقصاء، ولا نعرف من الشرائع والمناهج والفلسفات شيئًا وصل إلى هذا الحد في العناية بجمال الطريق. وإذا فرضنا جدلاً أن شيئًا من هذا حدث، فهل يقول قائل: إن إزالة الأذى عن الطريق حينها ستكون بحرصٍ وعناية مَن يرى فيها سببًا لمغفرة الذنوب ودخول الجنة؟!‏

ونقف قليلاً عند هذه القصة: صحابية لم نعرف من أمرها شيئًا إلا أنها كانت تنظِّف المسجد، افتقدها النبي (ص)، فسأل عنها، فلما علم أنها ماتت، عاتب أصحابه أنهم استصغروا أمرها ولم يُعلموه، وقال: "أَفَلاَ كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي... دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِا. فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا"[10].‏

هذه المرأة التي ذكرت في تاريخ الإسلام وخلِّدت في كتب السنن، لم تفعل إلا أنها اعتنتْ بنظافة المسجد، فاستحقت -في المنهج الإسلامي وحده- أن تخلَّد، وأن يعاتب النبي (ص) فيها أصحابه، وأن يصلِّي عليها بعد موتها.‏

ولقد نهي النبي (ص) عن قضاء الحاجة في الأماكن التي يرتادها الناس، فقال (ص): "اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ. قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ"[11]. والمعنى أن الرجل الذي يقضي حاجته في أماكن يمر بها الناس أو يجلسون فيها يجلب لنفسه اللعن، "قال الإمام أبو سليمان الخطابي[12]: المراد باللاعنيْن الأمريْن الجالبيْن للعن، الحامليْن الناس عليه، والداعييْن إليه"[13].‏

فإذا كان المكان أشد خصوصية كالمسجد كان الاهتمام به أكبر، إلى حدٍّ قال فيه النبي (ص):‏

"الْبُزَاقُ[14] فِي الْـمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا"[15].‏

[1] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 4/331.‏

[2] أبو حيان الأندلسي: تفسير البحر المحيط 5/236.‏

[3] مسلم عن أبي هريرة: كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها (58)، وأحمد (8913)، وابن حبان (166).‏

[4] البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب من أخذ بالركاب ونحوه (2827).‏

[5] البخاري: كتاب المظالم، باب من أخذ الغصن وما يؤذي الناس في الطريق فرمى به (2340)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء (1914).‏

[6] ابن ماجة: كتاب الأدب، باب إماطة الأذى عن الطريق (3682)، وصححه الألباني في التعليق على ابن ماجة.‏

[7] مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهى عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها (553).‏

[8] مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل إزالة الأذى عن الطريق (2618).‏

[9] رواه الطبراني في الكبير (3051)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (5923).‏

[10] البخاري: أبواب المساجد، باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان (446)، ومسلم: كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر (956)، واللفظ له.‏

[11] مسلم: كتاب الطهارة، باب النهي عن التخلي في الطرق والظلال (269).‏

[12] أبو سليمان الخطابي: (319- 388هـ/ 931- 998م) حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، أبو سليمان: فقيه محدث، من أهل بست في أفغانستان من نسل زيد بن الخطاب من كتبه معالم السنن. انظر: الزركلي: الأعلام 2/273.‏

[13] النووي: المنهاج 3/161.‏

[14] البزاق: هو البصاق.‏

[15] البخاري: أبواب المساجد، باب كفارة البزاق في المسجد (405)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهى عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها (552).‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

E - mail: jamahir@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية