وتبقى تلك الأمنية ترافقه طيلة حياته إلى أن يأذن الله له أم لا يأذن .
وإن أمانة أطفالك بين يديك وسوف تحاسب وتثاب على ذلك من الله عز وجل .. من تربية وإنفاق وحماية ورعاية .. الخ .
كل تلك الأمور نمارسها نحن الأهل بكل حب وشغف لأنهم أولادنا أفلاذ أكبادنا .. نسعى في حياتنا لاهثين كي نصنع لهم غداً أجمل من خلال متابعة مسيرة حياتهم الدراسية والعاطفية أثناء مراهقتهم .. بعد ذلك حياتهم الجامعية لينخرطوا بعدها في الحياة العملية أصحاء أقوياء .. يعلمون ما لهم وما عليهم ..
بعدها يستمر دورنا في تزويجهم وإعانتهم مادياً ومعنوياً .. الخ هنأ أتساءل كيف لفئة من الناس أن تقسى على أبنائها وتزجهم في العمل في عمر صغير وهم براعم صغيرة لم يعلموا عن الحياة شيئاً سوى قسوتها بحجة الفقر؟ .
فالفقر ليس عيباً وعليك أن تخطط قبل الزواج لحياتك ولحياة أولادك كحد أدنى تضمن لهم فيها حياة كريمة .
الأبوة تعني كونك القوام أن تسعى لإسعادهم وإعالتهم طيلة حياتك بل أن تتجاوز ذلك لتؤمن لهم ما استطعت بعد وفاتك .
فالعمل شرف الإنسان .. وكثير من الشرفاء من يورثون مهنتهم لأولادهم إن لم يفلحوا في التعليم .مثال ـ حداد ـ نجار ـ خياط .. الخ .أي مهنة كريمة وشريفة مهما كانت .
والمنظر الذي هزني من داخلي والذي بودي طرحه هو تلك الظاهرة المريبة ألا وهي نبش القمامة من أجل تحصيل أي شيء للبيع ربما هي أقسى المهن أو لا اعتبرها مهنة أصلاً لكن ربما تكون وسيلة ما للعيش بدل التسول التي كثرت مشاهدة مثل تلك الظواهر والتي باتت عقيمة الحل ولا أدري لماذا ؟!.
القصة بدأت حين رأيت مجموعة من الأطفال وهم يركبون دابة ثم ينزلون من عليها ليقوموا بفعل الغطس داخل الحاوية وتفريغ محتوياتها يميناً وشمالاً مفترشين الشارع النظيف فارزين الأشياء ليضعوها على إحدى جانبي الدابة وهكذا يفعلون عند كل حاوية يشاهدونها .
اقتربت من أكبرهم وقد كانت فتاة في ربيع عمرها حوالي الخامسة عشر وقلت لها هل باقي الأولاد هم اخوتك أجابت نعم .
فقد كانت أعمارهم تتراوح ما بين خمس سنوات إلى أكبرهم هي في الخامسة عشر .
وتابعت السؤال ماذا يعمل أبوك ؟
أجابت لا شيء هو وأمي في المنزل يعني الأب والأم لا يعملان لكن هم من يبعثان أولادهم فوق ظهر الدابة ليقوموا بنبش الحاوية وتفريغها وجمع ما يلزم لبيعه .. هكذا يعملون طيلة النهار ليعودوا إلى ذويهم .. ليقوموا هم بدورهم ببيع ما أتيح لهم .
سألتها أين تسكنون أجابت في منطقة اسمها ( تل الضمان )
أأنتم فقط في تلك المنطقة تعملون في تلك المهنة
أجابت كلا .. بل معظمنا في تلك المنطقة نعمل في تلك المهنة وقليل منا أغنياء ( طبعاً في مفهومها ) لا يعملون مثلنا .
قلت لها : وماذا عنك أنت فتاة في مقتبل العمر وجميلة .
ضحكت وقالت نحن حتى ولو كنا فتيات نعمل في هذا العمل .
قلت لها ومن تتزوجين حين تكبرين .
أجابت أتزوج من نفس منطقتي التي تعرفني لكن بعد الزواج لا أعمل ولكن أساعد زوجي .
يعني أختي التي تكبرني لم تعد تركب الدابة بل تساعد زوجها في بيع وفرز الأشياء من الحاوية .. لتكتمل الدورة وتنجب أولاداً وبدورنا نورثهم الكار ..
سألتها : لماذا لم تمتهني مهنة أخرى كالخياطة مثلاً أو أي مهنة معقولة كونك أنثى ..
أجابت : أبي يضربني ولا يريد أن أتعلم أي شيء سوى تلك المهنة .
قلت لها : لو أنك ابنتي لوضعتك في عينيّ وبعثت بك إلى المدرسة .
أجابت : أولادكم في العين ونحن في قارعة الطريق .
يعني أنها تدرك ألمها ..
وإذ بصوت أخيها الذي يركب دابة أخرى يناديها لتقول ( جاي جاي ) ..
أعتقد أنها ولأول مرة سمعت مني كلمة طيبة ..
من شخص ينظر لها بحزن لامتهانها مهنة ليست كباقي المهن لتنسى فيها إنسانيتها وأنوثتها ولتعود آخر الليل تفترش الأحلام وتستظل بظل من لا ضمير له .
تمنيت أني يومها لم أحاورها لأنها هزت إنسانيتي طالبة ومتمنية العون والمساعدة ممن يستطيعون .
وإتاحة فرصة عمل لهم تكفيهم وذويهم قوتهم .. ومعاقبة كل من يزج بأطفاله الصغار في عمر مبكر في العمل في أي عمل .
الفقر ليس عيباً وامتهان أي مهنة بشرف ليس عيباً أيضاً لكن المعيب أن تعامل الطفولة بهذه الشاكلة !!..
ترى من المسؤول عن تلك المشاهدات الأليمة ..!!
وكيف لنا أن نساعدهم ليتخلصوا مما هم فيه ولو وجد هؤلاء الأطفال في دور رعاية للمشردين أو الأيتام أرحم لهم بكثير من وجودهم مع آباء ليسوا كباقي الآباء .
تلك هي دائماً كلماتي الراجية التي لا تشبه الكلمات ..
في طرح ما يحتاج لعلاج .