يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر - حلب
طباعةحفظ


التضمين والاقتباس وعلاقتهما بمفهوم التناص

حلب
ثقافة
الأربعاء4-3-2009
عامر الشون

"مفهوم التضمين والاقتباس في الشعر وعلاقتهما بمفهوم التناص" عنوان الندوة التي أقامها " نادي التمثيل العربي للآداب والفنون مؤخراً وشارك فيها الأديبان محمد منلا غزيل وحسن النيفي تناولا فيها مصطلحين بلاغيين للإشارة إلى صلة البلاغة العربية القديمة بالتراث النقدي الحديث .

وتحدث الأديب الغزيل في المحور الأول عن الاقتباس في اللغة من الكتاب والسنة والذي يعني الرجوع إلى النصوص المقدسة للاستنارة بضيائها وهدايتها ونورها حيث وردت كلمة نقتبس وكلمة القبس في القرآن مما دعا المحاضر ليستهل بها محاضرته من خلال النص القرآني " وهل آتاك حديث موسى إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار " .‏

فالاقتباس من القرآن والحديث في أساليب النثر جائز بالإجماع ولكن البعض رأى فيه غير ذلك وهو عند البلاغيين أحد الفنون البديعية وهو عندهم تضمين الكلام ـ نثراً كان أو شعراً ـ شيئاً من القرآن أو الحديث من غير دلالة على أنه منهما أي بأن يكون خالياً من الاشعار بذلك .‏

وللاقتباس أربع صور هي اقتباس من القرآن في النثر واقتباس من القرآن في الشعر واقتباس من الحديث في النثر واقتباس من الحديث في الشعر .‏

فالنص القرآني الذي يتحدث عن كليم الله موسى "لعلي آتيكم ..." يفرض نفسه على اعتبار أنه كتب علينا هنا البدء باللغة ثم الدخول في المصطلح لأن اللغة هي الأصل إذ أن المفسر يعتمد اللغة والترادف اللغوي أما المؤول يستغرق ويبحث في العمق .‏

وفي السياق ذاته تناول الباحث حسن النيفي في المحور الثاني مفهوم التضمين والتناص في اللغة العربية حيث أكد أن التضمين جاء ضمن ما يسمى بالسرقات الشعرية وما يتبعها وفقاً للمنظومة البلاغية القديمة وعرف علماء البلاغة السرقة بأن يأخذ الشخص كلام الغير وينسبه لنفسه وهي ثلاثة أنواع نسخ ومسخ وسلخ.‏

فالنسخ هو أن يأخذ السارق اللفظ والمعنى بلا تغيير ولا تبديل أو بتبديل الألفاظ كلها أو بعضها بمرادفها كما فعل الحطيئة في بعض شعره بقوله :‏

دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي‏

وأما المسخ فهو أن يأخذ بعض اللفظ أو تغيير بعض النظم كقول الشاعر :‏

من راقب الناس لم يظفر بحاجته وفاز بالطيبات الفاتك اللهج‏

وغيره قال:‏

من راقب الناس مات هماً وفاز باللذة الجسور‏

بينما النوع الثالث السلخ هو أن يأخذ السارق المعنى وحده وإن امتاز الثاني فهو أبلغ نحو قول الشاعر:‏

هو الصنع إن يعمل فخير وإن يرث فللريث في بعض المواضع أنفع‏

ويقول آخر:‏

ومن الخير بطء سبيك عني أسرع السحب في المسير الجهام‏

وفيما يتعلق بمفهوم التناص ذلك المصطلح النقدي الحديث أو ينتمي إلى نقد ما بعد الحداثة لما يسميه النقاد لأنه أحد مفرزات نظرية التلقي ومضمون هذا المصطلح يتمحور على قاعدة أن "أي نص لا يمكن فهمه دون الرجوع إلى عشرات النصوص التي سبقته" .‏

كما يذهب بعض النقاد المعاصرين إلى اعتبار التناص مجموعة من النصوص التي نجد بينها وبين النص الذي نحن بصدد قراءته قرابة على اعتبار أن البعض بؤرة نصوص لذلك يكون حضور النصوص الغائبة في النص المقروء تلقائياً وهذا ما يجعل أي نص أدبي أو غيره بحاجة إلى تفكيك .‏

فالوظائف والنتائج المرجوة من عملية التناص تعني إعادة استخدام الكلام الذي مضى وربط الماضي بالحاضر والأصالة بالمعاصرة والتراث بالحداثة وكذلك ربط الأدب بغيره من الثقافات والفنون وقال الإمام علي كرم الله وجهه حول ذلك "لولا أن الكلام يعاد لنفد" ويقول الناقد جيرار جينيت "ليس للنص أب واحد، أو أصل واحد بل مجموعة من الأصول والأنساب" .‏

ولتقريب مفهوم التناص أكثر أورد الباحث مقارنة بين نص للشاعر محمود درويش ونص للشاعر أبي العلاء المعري حيث يقول الأول:‏

رأيت المعري يطرد نقاده من قصيدته‏

لست أعمى لأبصر ما تبصرون‏

فإن البصيرة نور يؤدي‏

إلى عدم أو جنون‏

وهذا المقطع من قصيدة الشاعر درويش يتناص ويتقاطع مع تجربة أبي العلاء المريرة مع الموت ويكشف عن غربته التي تمخضت من سوء فهم الناس له ويقول المعري:‏

أعمى البصيرة لا يهديه ناظره إذ كل أعمى لديه من عصا هاد‏

وتوقف الباحث النيفي عند بعض الملاحظات الهامة التي تتعلق بمفاهيم التضمين والتناص ومنها :‏

أولاً: إن ظاهرة التضمين في البلاغة القديمة هي أقرب ما تكون إلى مفهوم التناص في النقد الحديث مع وجود الفروقات منها مثلاً أن التضمين في الشعر القديم كان يرد لفظاً ومعنى وقلما يعمد الشاعر إلى توظيف اللفظ أو المعنى المتضمن توظيفاً جديداً بينما في الشعر المعاصر نرى الشاعر في الغالب يعيد إنتاج المعنى القديم بطريقة تخدم رؤيته أو تنسجم مع غرضه المراد .‏

ثانياً: إن المنظومة البلاغية القديمة والأطر النقدية التراثية بوجه عام ليست بنى جامدة فقدت قيمتها بانقضاء زمانها ولم تعد قادرة على النهوض بالإبداعات المعاصرة بل ما زالت أرضاً خصبة لمن اراد الحرث في مداميكها واستنباط مكنوناتها وإن بناء نقد عربي معاصر يتأسس أو ينطلق من النقد التراثي ولا يفعل الإفادة من النظريات النقدية الغربية الحديثة .‏

ثالثاً: إن القيمة الجمالية لأي فن والذوق الفني لأي إبداع ليس أمراً ثابتاً أو مستقراً لا يعتريه التغيير أو التحول فما يمكن أن يكون مستقبحاً في عصر من العصور يمكن أن يكون مستحباً في عصر لاحق .‏

وظاهرة التضمين كانت تدرج في باب السرقة في النقد القديم وتتصل بالسرقات الشعرية إلى جانب سبعة أمور هي : "الاقتباس والعقد والحل والتلميح والابتداء والتخلص والانتهاء" ويعني التضمين وفقاً لعلماء البلاغة "أن يضمن الشاعر كلامه شيئاً من مشهور شعر الغير مع التنبيه عليه ما يجعل شعره يزداد حسناً وجمالاً ، كقول الصاحب بن عباد :‏

أشكو إليك زماناً ظل يعركني عرك الأديم ومن يعدوعلى الزمن‏

وصاحباً كنت معبوطاً بصحبته دهراً فغادرني فرداً بلا سكن‏

وباع صفو وداد كنت أقصره عليه مجتهداً في السر والعلن‏

فيما يقول أبو تمام :‏

إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في المنزل الخشن‏

تعليقات الزوار
الأسمالتعليقالتاريخ
الذويبة  
maruam2998@gil.com
شئ جميل28/02/2011 21:37
إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

E - mail: jamahir@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية