يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر - حلب
طباعةحفظ


خواطر حلبية ... معهد الأرض المقدّسة في الشيباني

حلب
عبد الله حجار
ثقافة
الأربعاء 15-7-2009
منذ عشر سنوات مضت رحل عنا الأستاذ جبرائيل غزال عماد جمعية العاديات بحلب خلال نصف قرن من الزمن مخلفا ذكرى طيبة لدى جميع من عرفه عن قرب بتواضعه وطيبته ووفائه

وانفتاحه على الجميع واستقطابه المهتمين بالاثار والتراث المحليين والقادمين للتنقيب والبحث من علماء الآثار العرب والأجانب. كان دوحة أفاضت بظلالها على من حولها بعلمها وظرفها وصفائها. رحمك الله استاذنا الحبيب الطيب، ذكراك دائما معنا وذكرى الصدّيق تدوم وتدوم.‏

كان الاستاذ غزال من خريجي مدرسة الأرض المقدسة التي أنشأها الرهبان الفرنسيسيون باسم "معهد الأرض المقدسة" عام 1859 في خان الشيباني الى جانب الكنيسة المنشأة سابقا جنوب خان النحاسين من مدينة حلب القديمة. وقد هدمت الكنيسة عام 1934 واستعملت أحجارها في بناء كاتدرائية اللاتين في العزيزية، بينما انتقلت المدرسة عام 1937 الى حي العزيزية ثم الى مدرسة الأرض المقدسة حول البلدة حيث تحولت الى "معهد الاعداد الحزبي" عام 1967. وحوّلت قاعات المدرسة في الشيباني الى مستودعات مصلحة التبغ والتنباك، الى أن قيّض لها "مشروع احياء حلب القديمة" الذي اهتمّ بترميمها واعادة توظيفها مركزا ثقافيا للمدينة القديمة تقام فيه المعارض والمحاضرات والحفلات الموسيقية وضم معرضا دائما للمدينة القديمة ومراكز لمؤسسة الآغا خان للثقافة والوكالة الألمانية للتعاون التقني GTZ ومكتب المدينة القديمة...‏

وقصة "معهد الأرض المقدسة" في خان الشيباني جديرة بأن تروى لمعرفة الدور الهام الذي لعبه المعهد في تاريخ مدينة حلب الحديث منذ 150 عاما وهي الفترة التي مرّت على تأسيس المعهد حتى الآن. لقد بنيت المدرسة عام 1859يوم بدىء بأعمال الحفر في قناة السويس والتي انتهى انشاؤها ودشنت عام 1869.‏

لقد عرف الرهبان الفرنسيسيون(1)، المقيمون بحلب منذ زمن بعيد، ان انشاء قناة السويس سيؤثر بشكل كبير على الدور التجاري الذي تقوم به حلب والجالية الأجنبية المقيمة فيها، حيث سينتقل معظم التجار وبخاصة الأجانب للاقامة في المدن الساحلية على البحر المتوسط مثل مرسيليا واسكندرونة وبيروت وصيدا وصور ويافا والاسكندرية لمتابعة أعمالهم وبضائعهم المرسلة عن طريق السفن بين الشرق والغرب، ما سينجم عنه فراغ كبير في السكان والأعمال التجارية. لذلك قادهم تفكيرهم الى انشاء معهد الأرض المقدسة وكان أول مدرسة ثانوية، سبقت بأكثر من 30 عاما مدرسة السلطاني (المأمون حاليا) التي أنشأتها الدولة العثمانية بحلب عام 1892، تعد طلابها للانتساب الى الجامعة ومتابعة الدراسات العليا بالاضافة الى تدريبهم على الأعمال التجارية من حسابات واتقان اللغات الأجنبية كالايطالية والفرنسية والانكليزية والتركية.. وكان من خريجي مدرسة الأرض المقدسة (التراسنطا) الدكتور ناظم القدسي والدكتور أنور حاتم والاستاذ جبرائيل غزال والدكتور مصطفى العطار وسواهم. وبالفعل أثبت الحلبيون قدرتهم التجارية عندما ملأوا الفراغ الذي خلّفه التجار الأجانب برحيلهم للاقامة في مدن المتوسط الساحلية، وقد ساعدهم في ذلك معرفتهم وخبرتهم السابقة حيث كان العديد منهم يعمل كذلك في أعمال الترجمة لدى القناصل والتجار الأجانب. وبالفعل كان الضرر الذي لحق حلب تجاريا نتيجة افتتاح قناة السويس كبيرا اذ انخفض رقم البضائع التجارية الى العشر مما كان عليه قبل افتتاح القناة( من 18 مليون قرش الى 1،8 مليون). ومن المعروف ان معظم القناصل الفخريين الممثّلين للدول الأجنبية بحلب عمل أهلهم في الترجمة وخلافها مع القناصل الأجانب. وما يدل على أهمية الدور التجاري لحلب حتى الآن وجود حوالي 40 قنصلا للدول العربية والأجنبية المختلفة منهم أربعة قناصل أصلاء يمثلون بلادهم فرنسا روسيا تركيا وأرمينيا.‏

قناة السويس وفردناند دو لسّبس والكولونيل تشيزني:‏

وصلت قناة السويس بين البحر المتوسط والبحر الأحمروتمتد من بور سعيد شمالا الى مدينة السويس جنوبا بطول 160 كم أفتتحت عام 1869 وأمّنت أقصر طريق بحرية بين أوروبا ودول المحيط الهندي وغرب المحيط الهادي. وضعت أفكار لفتح القناة من قبل تجار البندقية منذ القرن الخامس عشر لكنها كانت تصطدم برفض العثمانيين. ويقال ان نابليون شخصيا قام بتحري الموقع عام 1798 وأمر بعمل مسح شامل عام 1799 وقد تبين ارتفاع منسوب مياه البحر الأحمر أعلى ب 33 قدما عن منسوب البحر المتوسط. وأجريت دراسات لامكانية بناء القناة عام 1834 وعام 1846 . وكلف الخديوي محمد سعيد فردنان دو لسّبس عام 1854 ببناء القناة وشكلت بفرمان هيئة القناة عام 1856 وأعطيت حق استثمارها مدة 99 عاما بعد انجازها. وبدىء العمل في شق وحفر القناة في 25 نيسان عام 1859 واستغرق 10 سنوات بدل 6 سنوات بسبب رداءة الطقس وتفشي وباء الكوليراعام 1865 وصعوبة أعمال الحفر والتجريف الى أن أنجز العمل في آب 1869 وتمّ تدشين الافتتاح باحتفال كبير (بوجود امبراطورة النمسا أوجيني، وعزف أوبرا عايدة للموسيقار الايطالي فيردي في دار الأوبرا) في17 تشرين الثاني عام 1869.‏

ومن المعروف للجميع ان الفرنسي فردنان دو لسبس هو الذي حفر قناة السويس التي نحتفل هذا العام بمرور 140 عاما على تدشينها عام 1869 والتي أثرت بشكل كبيرعلى أهمية حلب التجارية بنقلها البضائع بأحجام كبيرة وبالسفن من أوروبا الى الشرق الأقصى وبالعكس دون المرور بحلب. الاّ ان الواقع هو غير ذلك اذ ان الكولونيل فرنسيس راودون تشيزني كان أول من صحّح تقديرات المهندسين الفرنسيين حول المناسيب بين البحرين وامكانية بناء قناة السويس على مستوى البحرين دون الحاجة الى سكور(فتحات اغلاق مثل قناة بناما). وقد قام فردنان دولسّبس بتقديم الكولونيل تشيزني الى ادارة هيئة قناة السويس باعتباره"والد قناة السويس " الذي أعطاه فكرة حفرها.‏

كان الكولونيل تشيزني ذو الأصل الارلندي رجلا عظيما بأفكاره الرائعة في مجال‏

المواصلات بنوعيها البرّية والبحرية. وقد كلّف برئاسة بعثة الفرات عام 1835 ليبرهن ان النهر قابل للملاحة لارسال البريد عن طريق البر من لندن عن طريق نهر الدانوب الذي يجتاز عدة دول في أوروبا ثم المتابعة في الفرات الى البصرة والمتابعة بحرا الى الهند. وقد قام بزيارة حلب عام 1835 لتأمين حاجياته للرحلة، ووضع سفينتين أسماهما "دجلة" و"الفرات" في نهر الفرات جنوب براجيك (بورت وليم) وقام بالسير جنوبا مع تيار النهر وهو يصف المواقع على ضفتيه بما فيها من آثار ونباتات وتضاريس طبيعية مع قياس عمق النهر، وكان برفقته العالم اينزوورث والطبيب هلفر وزوجته لوصف النباتات وسواها. وقد مرت البعثة قرب قلعة نجم وذكر تشيزني امكانية وجود نفق تحت النهر يصل بين الضفتين عندها. كما مرّ قرب قلعة جعبر والرقة وحلبية ودير الزور. واثر عاصفة هوجاء استغرقت 12 دقيقة غرقت السفينة"دجلة" قرب قرية الصالحية جنوب الميادين(ولم تكن تعرف باسم دورا أوروبوس بعد) وكان ذلك ظهر يوم 21 أيار عام 1836 ولاقى 20 رجلا من ركابها ال 37 حتفهم بما فيهم المترجم السوري. وتابع تشيزني رحلته ووصل البصرة ثم الهند. ويذكر الكولونيل تشيزني في مذكراته انه خلال وجوده في حلب استكمالا لاعداد رحلته شاهد 50000 جملا فيها دليل وصول عدّة قوافل كبيرة اليها في وقت واحد. واذا اعتبرنا ان القافلة الواحدة كانت تتألف عادة من 2000 -8000 جمل نقدر وجود 8- 10 قوافل أمّت حلب من الأناضول وبغداد ومصر والجزيرة العربية والبحر المتوسط. وننوّه الى ان بعثة الفرات كانت في فترة احتلال سورية من قبل ابراهيم باشا ابن محمد علي باشا حاكم مصر (1831 – 1840 ) ، وكان من خلفيات مهام البعثة السيطرة على جنوب الفرات تحسبا لتوسع قد تقوم به روسيا نحو الجنوب في حال تدهور صحة الرجل المريض – الامبرطورية العثمانية - آنئذ.‏

قام الباحث البريطاني جورج غيست بتأليف كتاب عن بعثة الفرات أصدره عام 1992 وضع فيه صورا للأماكن التي زارتها البعثة عام 1836 وتركت رسوما لها نفذت بأيدي بعض أعضاء البعثة، كما وضع الصور التي أخذها بنفسه للمواقع ذاتها التي زارها حديثا وكتب عنها. ويعتقد ان هناك من يفكر بالبحث عن موقع السفينة "دجلة" الغرقى قرب دورا أوروبوس ضمن مسافة قد لا تتجاوز 5كم من قاع النهر شمال أو جنوب الموقع.‏

والطريف انه لم يعرف الاسم الحقيقي لآثار قرية "الصالحية" الاّ تنفيذا لمعاهدة سايكس – بيكو ، حيث كانت تقيم في جزء من آثارها حامية بريطانية جاءها الأمر بالانسحاب الى بغداد لأن المنطقة ستكون تحت الانتداب الفرنسي وكان ذلك في 30 أذار 1920 . وعند انسحاب الحامية كشف جدار ملون، أعلمت بغداد فأرسلت الآنسة جرترود بل(الملكة غير المتوّجة في العراق فيما بعد) مدير المعهد الشرقي في شيكاغو جيمس هنري بريستد الذي كان ينقّب في العراق ليرى ماهية الأمر، وهكذا بعد وصوله بعدة ساعات عرف ان الصالحية تضم مدينة دورا أوروبوس وهي على اسم مدينة "أوروبوس"التي ولد فيها سلوقس نيكاتور مؤسس الدولة السلوقية في مكدونيا، ودورا تعني الحصن. وقد جرت تنقيبات أثرية نموذجية في الثلاثينات من القرن الماضي توزعت على أثرها اللقى بين المتحف الوطني بدمشق وجامعة ييل في الولايات المتحدة. وتتابع بعثة فرنسية أمريكية مشتركة أعمال التنقيب والترميم منذ عام 1988 وحتى الآن، وقد انشىء مؤخرا متحف صغير في الموقع يبين الحياة اليومية في دورا في مظهرها الشرقي والروماني. ومن المعروف ان أقدم كنيس يهودي في دورا أوروبوس يعود الى عام 245 م نقلت لوحاته الجدارية الرائعة الى متحف دمشق، كما ان أقدم بيت مسيحي استخدم في السر ككنيسة قبل مرسوم ميلانو والسماح بالحرية الدينية عام 313 م وجد في دورا أوروبوس ويعود الى عام 231 م وقد نقل جرن معموديته ورسومه الجدارية (الراعي الصالح، آدم وحوّا، شفاء المخلّع ..) الى جامعة ييل مع معبد الاله ميترا.‏

أجل ان هذه الخواطر مع ذكرى 10 سنوات على رحيل الاستاذ الكبير جبرائيل غزال و140 عاما على افتتاح قناة السويس و150 عاما على انشاء معهد الأرض المقدسة في الشيباني شدّتني، وقد بلغت السبعين من العمر، وحفّزتني للعمل على كتابة خواطر أثرية عن أصدقائي علماء الآثار الذين عرفتهم خلال عملي في مجال الطرق والمواصلات بدءا من عام 1964 وانضمامي الى جمعية العاديات عام 1970 وحتى الآن مع التعريف بأعمالهم في كشف تراثنا الحضاري، راجيا من المولى العون والصحة والتوفيق.‏

(1) تحتفل الرهبنة الفرنسيسية هذا العام بمرور 800 عام على الموافقة على تأسيسها من قبل البابا في روما العام 1209‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

E - mail: jamahir@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية