يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر - حلب

قصة قصيرة ...رحلة إلى الفضاء

حلب
طفولة
الثلاثاء15-12-2009
محمد مهنا

بعد عدة أشهر من التحضير انطلق الصاروخ الفضائي يحمل المسبار وهو يتوجه بسرعة الضوء إلى حدود المجموعة الشمسية ليكتشف كويكباً رصدته إحدى المراصد الفلكية .

كانت مهمة صعبة تحتاج إلى ملاح فضائي يتقن التعامل مع الأجهزة ويعرف التصرف في الأحوال الطارئة .. كانت العيون تتجه إلى خالد وهو يعتلي منصة الإطلاق فهو مشهود له بالحكمة والبراعة والعلم ولذلك كان محط ثقة الجميع وتقديرهم .. جلس خالد في مقصورة القيادة يراقب الأرض وهي مزينة بألوان الطيف والغيوم تسبح في سمائها .. الأزرق والأخضر يتداخلان مع لون الأرض البني في صورة رائعة من خلق الله تعالى .. اجتاز نطاق الأرض والجاذبية فتزايدت سرعة الصاروخ وانطلق باتجاه غايته تدفعه محركات جبارة تحيل صمت السماء إلى ضجيج وصخب قويين .. تأمل الملاح خالد لوحة القيادة كانت تحوي أعداداً كبيرة من الأزرار ومفاتيح متنوعة لكل واحد منها عمل يؤديه .. هذا لإطلاق محركات الدفع الاحتياطية وهذا عاكس للجاذبية وهذا للتوجيه الآلي وهذا لإطلاق صواريخ هيدروجينية تحول من يقف أمامها إلى غبار في ثوان .. عاد بذاكرته إلى شهور خلت قضاها في التدريب المتواصل كان بعض من يراه يقول : لا تجهد نفسك بالتدريب وتعلم كل شيء عن المركبة .. لأنها مزودة بنظام طيران آلي يمكنه أن يقود المركبة إلى وجهتها ويعيدها وأنت مغمض العينين .. تنبه من تفكيره حينما كانت أجهزة المراقبة تشير إلى أنه يتجاوز كواكب المجموعة الشمسية الواحد تلو الآخر .. المريخ ثم المشتري فزحل فأورانوس ثم نبتون وأخيراً بلوتو .. وعند آخر كوكب أخذ الاتصال بالأرض يتقطع وكانت محطة المراقبة التي تغص بالعلماء من كل حدب وصوب تستمع إلى هذا الإرسال الذي بدأ أنه يحمل ذبذبات غير مفهومة وكأن خالداً يتحدث عن أمر مهول قد حدث .. نادى المشرف على الرحلة : ( يا خالد ماذا يحدث هناك .. ما كل هذه الضوضاء؟ ) إلا أن صوت خالد كان يختفي شيئاً فشيئاً وسط صرير الذبذبات , تدارس العلماء هل هو تأثير لأحد المذنبات أم أن التشويش هو نتيجة البعد الشاسع .. وأخيراً انقطع الإرسال وساد الصمت قاعة المراقبة الأرضية .. طلب البعض إعلان فقدان المركبة أما البعض الآخر فكان يتمسك بالأمل ويمني النفس بقدرة الملاح خالد على تجاوز المشكلة .. ( تتساءلون ماذا حدث للمركبة ) .. بعد اجتياز المركبة لآخر كواكب المجموعة الشمسية اصطدمت بمجموعة من الكويكبات التي كانت مختفية في ظل الكوكب بلوتو .. ناور الملاح خالد بالمركبة قدر الإمكان إلا أن وصل إلى حد أحاطت به من كل جانب وأصاب أحدها ذيل المركبة محدثاً ضرراً في جهاز الإرسال ومجموعة الكمبيوتر .. لقد أصبح خالد وحيداً في فضاء يمتد ملايين السنين الضوئية ومحبوساً في قطعة حديد لا يستطيع العودة إلى الأرض .. لقد كان الكويكب الذي رصدته المراصد في الأرض ما هو إلا بحر من الكويكبات المختفية وهي أشبه بمقبرة تصطاد أي مركبة أو كوكب آخر يمر بها .. جلس خالد يتأمل مصيره واليأس والخوف يتسللان إلى فؤاده المروع من هول المفاجأة ارتجفت يداه ثم سقطتا عن مقود المركبة وتحولت أزرار ومفاتيح لوحة التحكم إلى كائنات لزجة تحاول التهكم على فشله وتناهى إلى سمعه أصوات ساخرة : ( هل أدركت أخيراً أن حلمك أن تكون رائد فضاء هوالوهم بعينه .. لقد ناضلت كل تلك السنوات واجتهدت لتحبس أخيراً في قطعة خردة في السماء .. هذا جزاء من يحلم بأعلى من قامته .. ) هز رأسه بقوة مقاطعاً هذه الأفكار السوداء ومحدثاً نفسه ( لقد حلمت منذ الصغر أن تطأ قدماي مركبة فضائية وقد فعلت وأن تبصر عيناي الأرض من السماء وقد فعلت وأن أعبر إلى آخر المجموعة الشمسية وقد فعلت .. فليس أمام حلم الإنسان مستحيل .. وهذا الموقف لن يثني عزيمتي على المواصلة ).. اعتدل في جلسته ونقل مقود الحركة إلى وضعية الطيران اليدوي مستفيداً من خبرة اكتسبها أثناء التمرين ومع بعض الضغط على الأزرار انطلقت محركات الدفع مرة أخرى هدارة وسط هذه الكويكبات .. كان يناور محاولاً تفادي الاصطدام بها .. إلا أن ذلك كان أمرا مستحيلا فهي تغلق عليه أي فتحة يمكن أن يخرج منها إلى الفضاء الخارجي .. فكر وبسرعة كانت أنامله تضغط على زر إطلاق الصواريخ الهيدروجينية التي تمكنت من تفتيت أحد الكويكبات وصنع ممراً للمركبة التي عبرت منه .. أما على الأرض فقد خيم الصمت والوجوم على الجميع والأيام تمضي ولا إشارة تصل من المركبة .. في أحد الأيام وقبل دقائق من إعلان فقدان المركبة التقط أحد الرادارات جسماً يسقط بسرعة كبيرة في المحيط المتجمد الشمالي .. أسرعت الطوافات تتفقد هذا الجسم .. كانت مركبة خالد .. لقد انتصر الإصرار مع العلم على سطوة الجهل والمجهول وحقق خالد حلمه الذي أثبت أن العمل يحول الأحلام إلى حقائق .. فإذا كان لديكم حلم فلتعملوا على تحقيقه .‏

md-muhanna@maktoob.com‏

 

 

E - mail: jamahir@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية