يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر - حلب

شارع الملك فيصل بحلب...تكوينه العمراني.. وأهميته الجمالية والبيئية والتراثية.. بخطر الزوال

حلب
محليات
الاحد17-2-2008
محمد خير الدين الرفاعي

تتناول الأوساط الثقافية في مدينة حلب بمزيد من القلق والاستغراب موضوع تنفيذ قرار مجلس مدينة حلب والمتعلق بإزالة الجزيرة الوسطية في شارع الملك فيصل

وكذلك في شارع حطين المتعامد معه.. تحت عنوان »إعادة التأهيل« وذلك بحجة زيادة تدفق السيارات عبر هذين الشارعين كجزء من حل لمشكلة الازدحام المروري فيهما.‏

وشارع الملك فيصل الفريد من نوعه في القطر بل وفي بلاد الشام يتألف كما هو معلوم من طريقين للذهاب والإياب تفصل بينهما جزيرة وسطية بعرض يناهز الخمسة أمتار تحتوي على ممر للمشاة بين صفين من الأشجار المعمرة الباسقة التي يزيد ارتفاع معظمها عن السبعة أمتار, تم تنفيذه في العام 1919 م من قبل بلدية حلب أيام الحكومة العربية, وسمي باسم ملك سورية آنذاك فيصل بن الشريف حسين لربط مركز المدينة بمتنزه السبيل الذي يعود إلى العام 1900م.‏

ويعتبر شارع فيصل ومنتزه السبيل جزءاً هاماً من ذاكرة أبناء المدينة وتراثها الثقافي والطبيعي.. إضافة لأهميتهما من النواحي البيئية والجمالية والاجتماعية.‏

ومن الملفت للنظر حقاً أن مجلس مدينة حلب السابق وإدراكاً منه لأهمية هذا الشارع اتخذ قراراً بالاهتمام به وإعادة تجميله واستكمال غرس بعض الأشجار التي انتزعت منه وإيجاد حل مروري لتلك المنطقة يعتمد على دراسة تقاطع جامع الرحمن بما يسمح بتسهيل انسياب السيارات فيه.. وتكليف وحدة دراسة النقل والمواصلات بجامعة تشرين بإنجاز هذه الدراسة, وتم إعطاء أمر المباشرة لهذه الدراسة بتاريخ 18/4/2005 م... فما الذي تغير خلال أقل من عام?‏

بل ومن المستغرب أيضاً أن المعنيين بموضوع المرور في المدينة يفترض أنهم يعلمون بأن برنامج تحديث البلديات المعروف بال¯ »MAM« الذي يجرى بالتعاون مع خبراء الاتحاد الأوروبي... يقوم حالياً بجمع المعلومات ودراستها وتحليلها عن واقع المرور في مدينة حلب تمهيداً لدراسة خطة شاملة للمرور... فكيف يتخذ القرار بتغيير معالم هذا الشارع العريق قبل إنجاز هذه الدراسة?!‏

ولا يسعنا هنا إلا أن نبين الملاحظات التالية:‏

1- إن الضغط المروري في شارع الملك فيصل لم يتفاقم إلا بعد تركيب الإشارات الضوئية في هذا الشارع عند مستديرة جامع الرحمن.. وكذلك في المستديرة القريبة جداً منه عند زاوية مدرسة السيدة مريم. حيث أصبحت السيارات تتراكم أمام الإشارات الضوئية رغم توحيد اتجاه السير في ضفتي هذا الشارع.‏

إن الحل الطبيعي الذي يسمح باستمرارية تدفق المرور بسلاسة ودون أية إشكالات في المنطقة ويتناسب مع طبوغرافية الموقع إنما يكون بإقامة جسر يبتدئ من قبالة موقع مدرسة حطين وينتهي قرب مبنى نقابة المهندسين وبذلك ينساب مرور السيارات دون توقف في شارع الملك فيصل وكذلك في شارع السبيل الموازي له... إضافة إلى الشارع الرئيسي المتعامد معهما والقادم من موقع معمل العوارض. ويتعزز هذا الحل بإلغاء وقوف السيارات في شارع الملك فيصل في أوقات الذروة.. تمهيداً لمنعها بعد ذلك نهائياً في المستقبل إن تطلب الأمر.. بعد تأمين مواقف بديلة للمقيمين في هذا الشارع.‏

2- إن الأسلوب المتبع مؤخراً في هذه المدينة بتعريض الشوارع على حساب الجزر الوسطية ثبت عدم جدواه على المدى البعيد إلا في الإساءة للمظهر العمراني للمدينة وسلامة بيئتها واستبدال الأشجار والأزهار بمزيد من السموم والروائح الكريهة... وإنه إذا تابعنا محاولة حل إشكالات المرور على حساب الجزر الوسطية حتى إزالتها نهائياً.. فلن يكون لدى المعنيين بالمرور أية وسيلة لتعريض الشوارع داخل المدينة مستقبلاً إلا على حساب المباني القائمة على جانبيها!!‏

3- إن حل إشكاليات المرور والنقل والتخديم في أية منطقة من المدينة لا يمكن أن يعطي النتائج المطلوبة إلا من خلال خطة شاملة ومتكاملة للمرور لكامل هذه المدينة تستند إلى إحصاءات ودراسات جادة بإشراف خبراء متخصصين في هذا المجال تعرض وتناقش وتدقق قبل تنفيذها بالنظر لأهميتها البالغة.. وذلك حتى لا تظهر هذه الإشكالات في مناطق أخرى.. وربما أكثر تعقيداً.‏

إن الحل الشامل لمشاكل المرور في هذه المدينة مطلوب الآن وبإلحاح أكثر من أي وقت مضى إذا أدركنا أن عدد السيارات سيتضاعف خلال فترة قصيرة بالنظر للتسهيلات المصرفية التي تقدمها العديد من المصارف للمواطنين لاقتناء السيارات.. وهذا حق طبيعي للجميع.‏

4- كانت نقابة المهندسين قد بادرت إلى عقد أكثر من ندوة تخصصية حول إشكالية المرور ومعالجتها في المدينة بمشاركة كافة الجهات الرسمية المعنية إضافة إلى خبراء من خارج المدينة.. وصدرت بنتيجتها توصيات هامة لازال معظمها حبراً على ورق!!‏

5- إن اللجان المختصة في نقابة المهندسين بحلب وبعد الاطلاع على موضوع القرار المتخذ مؤخراً في مجلس مدينة حلب حول شارع فيصل طالبت مجلس فرع النقابة باتخاذ ما يلزم للحفاظ على الجزيرة الوسطية فيه وما تحتوي عليها من أشجار وارفة... وإيجاد حل للمرور يتكامل مع الحركة في الشرايين الرئيسة للمدينة.. وإنشاء ماهو مقرر من جسور وأنفاق.. لا أن تكون الدراسة جزئية.‏

6- إن السكان المقيمين على جانبي شارع فيصل وجهوا عريضة إلى الجهات المعنية طالبوا فيها بالحفاظ على التكوين العمراني لشارع فيصل وما تحمله من قيم جمالية وبيئية وتراثية.‏

7- هناك العديد من الإجراءات التي يؤدي تنفيذها إلى تحسين كبير في واقع المرور والنقل والتخديم في المدينة سبق وأن عرضناها منذ سنوات عديدة وسجلت في محاضر اجتماعات مجلس المدينة دون ان ينفذ شيء منها..‏

- تنفيذ مواقف طابقية للسيارات أسفل ساحة سعد الله الجابري.. وبينا أن نقابة المهندسين أبدت استعدادها للمشاركة في الدراسة والتنفيذ والتمويل والاستثمار في كتابها رقم 2333/ ص تاريخ 7/5/2002 م دون ان تتلقى أي رد. وأن المسابقة المعمارية التي أجراها مجلس المدينة لدراسة هذا المشروع ومضى عليها قرابة الثلاث سنوات لا تزال دون أية خطوات جديدة لمتابعة الدراسة والتنفيذ!‏

- إقامة مواقف طابقية في أماكن أخرى متعددة في المدينة تحت الأرض في ساحة السيد الرئيس بالكتاب... وفي ساحة الحرية بالعزيزية. وحتى أسفل الساحة الواسعة المتطاولة الممتدة جانب جامع العبارة وحتى جريدة الجماهير.. حيث أنفقت الملايين على تجميلها دون الاستفادة من هذا الموقع الهام كمرائب طابقية أسفل هذه الساحة. بل إن المواقف الطابقية التي يجري تنفيذها على حساب حديقة المنشية المجاورة وأشجارها المعمرة.. لن تكفي حتى لتخديم الفعاليات العديدة التي سيحتوي عليها هذا المشروع من مكاتب ومطاعم ومخازن تجارية بل سيزيد الأمور تعقيداً في قلب مركز المدينة!‏

- لقد تمت المطالبة مراراً بتأمين ساحات انتظار ومواقف مأجورة لفترات محددة من خلال عدادات خاصة في مركز المدينة.. وأكدنا مراراً على أن من يملك محلاً تجارياً لا يحق له أن يستملك الطريق الواقع أمامه.‏

- إن تحسين النقل العام ولا سيما خدمة سيارات التاكسي ووضع مواقف خاصة لها موزعة في أنحاء المدينة.... سيدفع بالكثيرين إلى ترك سياراتهم الخاصة واستخدامها.. وفي ذلك الإقلال من عدد السيارات الخاصة التي تجوب شوارع المدينة.‏

وعند الحديث عن النقل العام.. يتساءل الكثيرون ألم يحن الوقت بعد لدراسة وتنفيذ خطوط سريعة للنقل العام كالمترو مثلاً وهل يمكن الاستفادة من بعض المحاور الجاهزة لذلك كمسار الخط الحديدي الذي يخترق المدينة من أقصاها إلى أدناها?‏

أفكاراً عديدة طرحت مراراً في اجتماعات مجلس المدينة السابق لتحسين حركة المرور في المدينة.. مع ضرورة الاهتمام بتأمين الانتقال الآمن والمريح للمشاة سواء في مركز المدينة أو في المناطق الأخرى التي لازالت أرصفتها تمتلئ بالاشغالات على اختلاف أنواعها.. وضرورة الاستفادة من نفق المشاة في منطقة السريان الجديدة الذي يؤمن الانتقال الآمن لطلاب المدارس العديدة هناك..‏

وأخيراً لقد تم بالأمس القريب انتزاع حديقة المنشية بأشجارها الوارفة من قلب مركز المدينة رغم كل الوعود بالحفاظ عليها.. وجرى اقتلاع الأشجار المعمرة من حديقة منتزه السبيل وكذلك من حديقة الأزبكية وغيرها.. ويبدو أنه جاء الآن دور مئات الأشجار الباسقة في شارع الملك فيصل.. ومع ذلك ستظل هذه المدينة تحتفل كل عام بعيد الشجرة... وبيوم البيئة العالمي!!‏

إننا نأمل بإيجاد حل متكامل لإشكاليات المرور في هذه المدينة وشارع الملك فيصل يشكل جزءاً هاماً منها ولكن من خلال الحفاظ على تكوينه العمراني وأشجاره المعمرة... بل وإعادة زراعة ما انتزع منها بذات النوعية... مع إغنائه كما كان في الماضي بالأزهار وعرائش الياسمين ليبقى جزءاً من التراث الثقافي والطبيعي لهذه المدينة الأصيلة.‏

 

 

E - mail: jamahir@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية