يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر - حلب

فصل الربيع

حلب
ثقافة
الاثنين31-3-2008
محمود فاخوري

الربيع أحد فصول السنة الأربعة بين الشتاء والصيف ويطلق أيضاً على المطر في الربيع كما في معجمات اللغة, وعلى الأخضر من النبات بل على كل ما ينبت في الربيع من الأعشاب

التي تغطي المروج حيث ينظر إليها الإنسان ويقول : هذا الربيع جميل ممتع ويجمع الربيع على أربعاء ورباع (بكسر الراء) وأربعة (بكسر الباء) .‏

والفعل الثلاثي منه: ربع الربيع يربع (من الباب الثالث) ربوعاً : أي دخل وفي الفعل المزيد يقال: أربع القوم : صاروا في الربيع ويقولون في اللهجة المحكية : ربعت الدنيا , أي دخلت في الربيع .‏

وارتبع بالمكان وتربع : أقام به زمن الربيع واسم المكان منهما مرتبع ومتربع , قال الصمة القشيري (-95 ه¯)‏

بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربا‏

وما أحسن المصطاف والمتربعا‏

والربيع عند العرب ربيعان :‏

أحدهما : الذي تأتي فيه الكمأة والزهر الأبيض ويسمى ربيع الكلا والآخر : هو الذي تدرك فيه الثمار ويبدأ فصل الربيع في 23 آذار ومدته ثلاثة أشهر , إذ يبدأ بعده فصل الصيف في 24 حزيران القديم والحديث وأبدعت مواهب الشعراء والأدباء معاً في وصفه والوقوف عند محاسنه ومرابع الجمال فيه حتى ليمكن أن نجمع ديواناً كاملاً مما قيل من الشعر والنثر في هذا الفصل الجميل الذي تتشوق الناس إلى لقائه والتنعم بوارف ظلاله ويأسفون لرحيله الوشيك قبل أن تشبع منه عيونهم وترتوي منه نفوسهم .‏

فمن أشهر الأبيات التي قيلت فيه ما نظمه أبو تمام الطائي في عشرين بيتاً ونيف جعلها مقدمة لقصيدة مدح بها الخليفة العباسي المعتصم , ومنها قوله :‏

رقت حواشي الدهر فهي تمرمر‏

وغدا الثرى في حليه يتكسر‏

يا صاحبي تقصيا نظريكما‏

تريا وجوه الأرض كيف تصور‏

تريا نهاراً مشمساً قد شابه‏

زهر الربا فكأنما هو مقمر‏

دنيا معاش للورى حتى إذا‏

حلّ الربيع فإنما هي منظر‏

وللبحتري أيضاً أبيات مشهورة وصف فيها الربيع في مطلع قصيدة مدح بها الهيثم الغنوي أحد القواد الكبار ومنها :‏

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً‏

من الحسن حتى كاد أن يتكلما‏

وقد نبه النيروز في غسق الدجى‏

أوائل ورد كنّ بالأمس نوما‏

فمن شجر ردّ الربيع لباسه‏

عليه كما نشرت وشياً منمنما‏

ورقّ نسيم الروض حتى حسبته‏

يجيء بأنفاس الأحبة نعما‏

ومن شعراء العصر العباسي الذين وصفوا الربيع : ابن المعتز وفي ديوانه كثير من المقطوعات التي جلت وجه الربيع وكشفت عن محاسنه وصور فتنته وبهائه واكتفي منها بقوله :‏

أتاك الربيع بطيب البكر‏

ورقّ على الجسم برد السحر‏

وخفت على المرء أثوابه‏

إذا راح في حاجة أو بكر‏

وقد عدّل الدهر ميزانه‏

فلا فيه حرّ ولا فيه قر‏

(البكر, بضم الباء وفتح الكاف : جمع بكرة وهي أول النهار إلى طلوع الشمس - القرُ, بضم القاف : البرد) ولشعراء العصر الحديث كثير من الاشعار التي قيلت في وصف الطبيعة والربيع ومنهم أنور العطار (- 1972 م) وهو سوري من دمشق ومنذر لطفي من حماة.‏

هذا, وللجاحظ رسالة طريفة مطبوعة بعنوان "سلوة الحريف بمناظرة الربيع والخريف" والحرّيف , بكسر الحاء وتشديد الراء : الرجل الذي يكون ذا حذق وبصر في الأمور وهذه المناظرة اخترعها الجاحظ وجعلها على لسان فصلي الربيع والخريف حيث يتباهى كل منهما بفضائله ومحاسنه ويتنقص الآخر أو يرد عليه ما قال ومنها قول الربيع : "أما ما ذكرت من الربيع وأن حرّه يودي أو يؤذي بالإنسان وسائر الحيوان ... فقد أوهمت أو وهمت وتغافلت أو أغفلت إذ الربيع في طبعه معتدل المزاج ولذلك قال جالينوس : من لم يهزّه الربيع فهو فاسد المزاج , يحتاج إلى العلاج" .‏

 

 

E - mail: jamahir@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية