قصة قصيرة .. لماذا أنت أعمى ؟

 

حلب ـ جعدان جعدان
(خميرة الرملاوي) إحدى الفتيات العازبات تتباهى بجمالها الساحر وسلالتها الأرستقراطية .. تجد نفسها ملكة الجمال وذات قامة هيفاء وجاه وشهرة تتجاوز الآفاق .. وتتمتع بالجسد البض، وبشرتها البيضاء وسلالتها الأصيلة .. طلبها الموظفون من النخبة المتعلمة من ذوي الجمال والأناقة فرفضت وأبت إلا أن تتزوج أحد الأغنياء لأن السعادة تقيم في ديارهم ولأن الكنوز والقصور والمراكب الفاخرة هي تيجان سعادتها ..
وكان أحد التجار الكبار قد تناهى إلى مسمعه اسمها وشهرتها الواسعة فبادر إلى خطبتها وهو الملقب (خرفان خريباتي) يملك شركات كبيرة .. لكنه أعور وبشع المظهر وقصير وأحدب وله عينان صغيرتان وأنف مفلطح وفم واسع وأسنان مكشرة وشفتان غليظتان .. غير أن جيوبه مليئة بالعملات الوطنية والأجنبية .. ويملك قصراً فخماً ومركباً كبيراً فتوجه (خرفان) إليها لخطبتها بنفسه .. فنظرت إليه (خميرة الرملاوي) بعيون ثاقبة وفاحصة وبكل شوق وإعجاب قالت: تحقق مبتغاي وهذا هو طلبي وحظي في هذه الحياة وشرعت تمدحه بألفاظ منتقاة مزخرفة وتكيل له كل أنواع المديح واسترسلت في حديثها وقالت: أنت لست أعوراً .. الأعور هو ذلك الفقير المتسكع الذي لا يستطيع الحصول على قوت يومه، ليس الجمال بالشكل إنما الجمال جمال المال.. الناجح هو الذكي الألمعي الذي يملك الشركات والبيوت الفخمة والمركب العصري الحديث.. المال يمنح الجمال والمقام العالي والبهاء النفسي والجسدي فأنت أجمل الشباب وأنا أوافق على الزواج وسنحيا حياة سعيدة تحت ظلال القصور وبيارق العز والفخار .. سنختار أشهى المآكل والمشارب وأجمل المنتزهات السياحية الرائعة والمطاعم الفاخرة ..
فتزوج خرفان بخميرة الرملاوي وأقاما حفلة نادرة قل نظيرها ودعيا إلى حفلة عرسهما كبار التجار من أهل بلدتها .. وباركوا لهما بالحياة السعيدة والعيش الرغيد والمستقبل الزاهر .. فاشترى (خرفان) لها سيارة حديثة وعاشا في قصر فخم من أروع القصور .. فأصبحا مضرب المثل في العيش الرغيد كأنهما عاشقان يعيشان في النعيم والترف والرخاء فكل ملذات الحياة تأتي إليهما مسرعة .. ومصادر السعادة تغدق عليهما المال، فالمال يجلب السعادة والبذخ والترف لهما. وهكذا مرت الأيام والليالي المزينة بالراحة والهناء .. وظل أهل البلدة يحسدونهما على النعيم المقيم في ديارهما .. ولكن الحياة الرغيدة لا تدوم دائماً وأيام العز معدودات والزمن دول يوم لك ويوم عليك .. فخسر (خرفان) صفقاته التجارية وأصبح خاوي الجيوب، يعتكف في منزله ولا يملك قوت يومه .. فقالت له زوجته بلهجتها العابسة الهائجة لأول مرة: إن أصدقاءك التجار أذكى منك، نهبوا أموالك ونبذوك فاخرج من البيت وابحث عن عمل لتأمين قوتنا وكفاف يومنا.. مالي أراك مهموماً متشائماً منطوياً منعزلاً؟! لقد غدوت عالة علينا .. اذهب وابحث عن عمل .. فخرج من البيت مذعوراً خائفاً من أعين الشامتين لخساراته الكبيرة الفاضحة وعاد (خرفان) بعد غروب الشمس إلى منزله صاغراً ذليلاً وطرق الباب ففتحت زوجته الباب بوجه عابس كالح وقالت بلهجة شديدة: لماذا أنت أعمى يا خرفان؟ أجاب خرفان ببرودة أعصاب: عندما تزوجتك كنت الفارس المقدام الذي لا يشق له غبار.. يوم كان لدي مال كنت جميلاً ولست أعوراً واليوم أستحق كل النعوت السلبية الشائنة وهذا فراق بيني وبينك .. وخرج من البيت حزيناً حائراً تائهاً ولم يعد ..!!
رقم العدد 15586