في تلك اللحظةِ من الضوءِ الخافت

الجماهير .. بيانكا ماضيّة
وكنتُ رميتُ نظراتي على حروفِكَ، حرفاً حرفاً، وغيمةً غيمة، ورأيتُ كيف تولدُ الحكاياتُ والأسماءُ والمعاني على يديكَ، وكيف تأخذها في قاربِك إلى أبعد حدودِ المدى، فما وجدتُني إلا وأزيحُ ذراتِ الرمالِ والأتربةِ العالقةِ بينها لأبحثَ عن اسمٍ نسيتَه في زحمةِ الأفكارِ والأشياءِ! وكلما اغبرَّ المكانُ ازدادتْ دقاتُ قلبي، وأنا أرنو إلى هذه القضايا، ، لم أكن أدري أن الترابَ مازال يبلعُ الأسماءَ ويهيلُ الموتَ عليها.
مازلت أنتظرُ تلك الحياةَ التي لاموتَ فيها، ولا اسماً إلا اسمَك.
* * *
بين مروجِ الضبابِ كنتَ تسير، وكنتَ ترسلُ لي صوتَك مع موجِ الطرقات، وبين مدٍّ وجزرٍ حاكيتَ البعيدَ من أيامي، وبين ضحكةٍ عاليةٍ شقيّةٍ سمعتُ ذبذباتِها، وأخرى ساكنةٍ لا تبينُ ملامحُها حدستُ بملامحِ وجهِكَ حين نفضتَ الدهشةَ عن تفاصيلِه. وبين كلِّ تلك الصورِ الخياليّةِ والحقيقيّةِ رميتَ لي حروفاً التقطتُها..
هل تجاهلتُ بوحَك في تلك اللحظة؟! وهل كنتَ آنذاك تبوح؟ أم أنَّ الضبابَ الذي رستْ حبيباتُ نداه على ذاك الصباحِ، جعلك تتوقُ لصورةٍ واضحةٍ هي صورتُك في خيالي؟!
* * *
ليس في الصمتِ صمتٌ، ليس فيه إلا شوقٌ وبحثٌ عن معنى تاهَ هنا قبلَ أنْ يدركَ شارعاً طويلاً يؤدي إلى الغياب!. كيف يُمحى شيءٌ ما من أمامِنا، من صفحةِ الأفكارِ حين تكون الثواني الفارقةُ إلماحاً للوجود، حين تكون إحالةً على الكثيرِ من المعاني، ونحيلُ أسبابَ الغيابِ على أشياء لا تمتّ إلى واقعٍ افتراضي، هي الواقعُ الحقيقيُّ بكلِّ هذا التأكيدِ على غيابِ السلام... سلامٌ من صبا الوجدِ ذهب دونَ رجعة، ودمعةٌ حزينةٌ سقطت على وقعِ الغياب، كأنّ في محوِه فعلَ الحِراب، فعلَ التلصّصِ على نزفِ الجرحِ رغم المدى البعيد.
وفي ذلك الطريقِ كنت تمشي باحثاً عن شيءٍ يحملُ أوراقَ أيامِكَ، وإذا بالريحِ تصفر، تلفُّ في الشوارعِ التي نسيتَها أنتَ، تبحثُ هي الأخرى عن منعطفٍ لتلتوي. ملتويةٌ هي كلُّ الطرقاتِ ولا طريقَ مستقيماً سوى ذاك الطريقِ الذي حدّثتُك عنه، تراك هل كنتَ تبحث عنه في ذلك الوقت من الصباحِ والمساء؟!
وأنا ... أين كنتُ في تلك اللحظةِ من الضوءِ الخافت، لم أكن أرى بعينيّ، وإنما كنت أستمعُ فقط، أستمعُ لكلماتِكَ التي شرَدْتُ في تفاصيلِها، وعبرَ النظراتِ والمعاني رحتَ تسربلُ معانيها بأشياءَ كانت أشيائي، لمَ استعرتَ كلَّ التفاصيلِ منّي، ورحتَ توشّحُني بالألغاز؟!
مازلت أنتظرُ تلك التفاصيلَ التي لا ألغازَ فيها، ولا معنى إلا معنى اسمِك!.
رقم العدد 15640