الدكتورة ملكة أبيض ومسيرة علم وثقافة ووفاء

الجماهير – بيانكا ماضيّة
لم تكن مترجمةً وحسب، بل ومفكّرة أيضاً، باحثة متفوقة ومتميزة في مجالي التربية والتعليم، أخلصت للثقافة والتربية، كما أخلصت لأفكار زوجها ومنظومة قيمه.
الدكتورة ملكة أبيض وزوجة الشاعر الراحل سليمان العيسى، وقد وافتها المنيّة في الأمس، من مواليد حلب عام 1920، كانت انطلاقتها من بيت أهلها في العقبة، وتعلمت وهي سن الرابعة في مدرسة عند القلعة، في زمن كان فيه التعليم ميسّراً للفتيات، ولكن الدراسة غير مجانيّة، ولكن لتفوقها أعفيت من الأقساط المدرسية. ثم ذهبت إلى دمشق في منحة مجانيّة، وكانت بين الفترة والأخرى مهددة بعدم إكمال دراستها، بسبب التقاليد الاجتماعية المحافظة.. فتقدمت سرّاً إلى المنح الدراسية والبعثات، ونجحت وأعلن اسمها في الصحف للإيفاد إلى بروكسل، عند ذلك عرف الأهل وبدأت المشكلة العائلية، هدّدت أمُها بترك المنزل إن هي ذهبت إلى بروكسل، فلجأ أبوها المتعلم والمستنير إلى طريقة (القُرعة)، سحبت أختها الصغيرة ورقة إكمالها الدراسة، فكان الحظ إلى جانبها.
المكتبة المنزلية التي دأب الأب على تأسيسها كانت بذور وعيها الثقافي الأول، فمع (دمعة وابتسامة) لجبران خليل جبران، الكتاب الوحيد غير الديني في المكتبة كانت الانطلاقة الثقافية، ولم تكن ملكة أبيض هذه المرأة السورية إلا كغيرها من بنات جنسها اللواتي دافعن عن وجودهن النسوي، فكانت ضد القيد الاجتماعي وضد القيد الاستعماري، إذ شاركت في تظاهرات ضد الاحتلال الفرنسي، تقول د. ملكة أبيض: (كنت أشارك في جميع التظاهرات التي كانت على أشدّها ضد الاستعمار الفرنسي، ما جعل إدارة المدرسة تحجب عني المنحة فاضطررت للعمل أنا وأخواتي في التطريز والخياطة والدروس الخصوصية لإتمام دراستي، فحصلت على البكالوريا بتفوّق وعملت على تثقيف نفسي بحيث لا أترك وقتاً للفراغ).
بعد إكمالها الدراسة في بروكسل التحقت بثانوية معاوية، وبعدها خطبت إلى الشاعر سليمان العيسى الذي كان يقوم بتدريس أخواتها تدريساً خاصاً، إذ تعرفت إليه في بيت الأهل بعد عودتها من بروكسل، وخرجت معه في لقاءات ثقافية عديدة، وكانا جنباً إلى جنب في الندوات والمحاضرات وأنشطة مدينة حلب الثقافية، لكنّ تلك العلاقة تطورت ليصبحا زوجين عام 1950. عاشا حياة كفاح مشتركة في كل شيء، في نضاله السياسي، وفي عمله الأدبي، كان يهمها أن يتابع وينشر القصائد التي يكتبها، ففي السنة الأولى لزواجهما نشر ديوان (مع الفجر) الذي كان مصدر سعادة وسرور لكليهما.
غير أن موهبة الشاعر سليمان العيسى وثقافته ومعرفته زرعت في نفسها الأمل لمتابعة الدراسة بعدما كادت تتخلى عن مواصلة دراستها الجامعية، فواصلت دراستها وحصلت على الماجستير في التربية من الجامعة الأميركية في بيروت، ودكتوراه الدولة في التربية من أميركا، فضلاً عن إنجازها عشرات الكتب العلمية في حقول التربية والاجتماع والنقد الأدبي.
خصصت قسطاً كبيراً من وقتها لمتابعة أعمال زوجها وإعدادها للنشر والكتابة عنها، إذ لم تكن علاقتهما علاقة زوجين وحسب، فعلى الرغم من مشاغلها كأستاذة جامعية، وإيماناً منها بأن خدمة هذه الأعمال تمثل خدمة للعروبة والحلم الذي آمن به سليمان العيسى وهو تحقيق الوحدة العربية الكاملة، فقد وقفت إلى جانب زوجها في مشواره الأدبي والثقافي احتراماً لتجربته الغنيّة وإبداعه الثرّ.
سيرة ملكة أبيض وسليمان العيسى سيرتان متماهيتان في الإبداع والثقافة والعمل، فكانا يشكلان ثنائياً مركباً من الإيمان والأمل وتوحد الأهداف الإنسانية والوطنية والقومية، هذه الأهداف التي وسمت حياتهما المشتركة بسمة خاصة جعلت مسيرتهما الإبداعية والثقافية نبراساً منيراً لأجيال تتلمذت على أيديهما، فأزهرت فناً وعلماً وثقافة.
رحم الله ابنة مدينة حلب الدكتورة ملكة أبيض، ورحم زوجها الشاعر الكبير سليمان العيسى الذي مازال شعره وشماً في ذاكرة الأجيال.
رقم العدد ١٥٧٢٢