البني.. ورحلة تشكيلية غنية بعشق المدينة


الجماهير- بيانكا ماضيّة

في عام 1971، وفي حي شعبي، حي الإنصاري الشرقي بحلب، وفي غرفة صغيرة مطلة على باحة الدار التي تتوسطها نافورة ماء، كانت بدايات الفنان التشكيلي طاهر البني الذي خسرته مدينة حلب وسورية كلها، إذ وافته المنية بعد صراع مع مرض عضال. كان البني في تلك الدار يرسم بالألوان المائية لأكثر من عشر ساعات يومياً تحضيراً لمعرضه الأول الذي سيقام في صالة المتحف الوطني بحلب، ثم انتقل إلى حي بستان الزهرة ليكمل تلك التحضيرات، ضم ذاك المعرض لوحات مائية، استمد البني موضوعاتها من البيئة المحيطة ليعكس ملامحها الشعبية, وقد صاغها بأسلوب ذهني انطباعي تعبيري يعتمد التكوين المتماسك بعيداً عن المحاكاة المباشرة للأشياء.
برز الفنان طاهر آنذاك من خلال الفن الانطباعي المعتمد على الألوان المائية، إذ يعتبر من أوائل الفنانين الذين رسموا بالألوان المائية في مدينة حلب، بتقنياتها الشفافة العالية، كان يجول في المدينة القديمة التي أحبها وفي ريفها، ليبدع برسم قبابها وطبيعتها وأشخاصها، ولم يقتصر في رسمه على ذلك بل كان يرسم أيضاً بألوانه المائية المواضيع التعبيرية ذات الأفكار القومية والمحلية.


وبعد معرضه الأول في المتحف الوطني، وبعد دخوله الجامعة في كلية الآداب بحلب أقام معرضاً ثانياً في الجامعة فكان المحطة المهمة في مسيرة الفنان البني التي ابتدأت في هذا المعرض في تشرين الثاني عام 1972 ، إذ بدت ملامح تجربته الفنية الناضجة تتضح من خلال لوحات هذا المعرض التي صور فيها بواقعية أحياء حلب القديمة وأسواقها الشعبية وبعض المناظر الطبيعية من الريف المجاور للمدينة.
جاذبية الألوان المتآلفة مع بقية الألوان كانت مزية لوحاته، هذه المزية التي حافظ من خلالها على أسلوبه الفردي الخاص. وتُظهر منجزاته أوصافاً سحرية في تعظيم الإضاءة, ولهذا كان يستخدم الألوان الممتعة التي تحتوي على خصائص المدارس الفنية التي تشربت أفكاره منها.
في مواضيعه القومية وحين كان الفكر القومي سائداً آنذاك بين الأدباء والشعراء والفنانين- كما يحدثنا الزميل والفنان إبراهيم داود الذي واكب مسيرة البني- كان لا بد من الفنان أن يتأثر بما حوله فيتعايش معه، ففي تلك الفترة كان الفنانان وحيد مغاربة وعبد الرحمن مهنا ونذير نبعة في دمشق، ووليد عزة يرسمون بالألوان المائية، وقد سبقهم الفنان الكبير لؤي كيالي، إلا أن الفنان البني قد سبق الراحل وليد عزة كثيراً بأفكاره وتقنياته، في أواخر عام 1972 نقل الفنان البني تجربة المائية إلى دمشق في أول معرض له هناك - في صالة المركز الثقافي السوفييتي آنذاك ـ فالفنان البني أثبت وبجدارة أنه من الفنانين الأوائل الذين تعاملوا مع تقنية الألوان المائية وحقق نجاحاً لافتاً من خلالها في الوقت الذي تلكأ فيه الكثير من الفنانين لصعوبة مسالكها الوعرة، ثم غير أسلوبه في الرسم وبدأ العمل باللوحة الزيتية؛ لاعتقاده بأن اللوحة المائية أقصر عمراً، وهذه تبقى وجهة نظر، فتطرق إلى الرسم بالأسلوب الواقعي واقترب إلى الواقعية الكلاسيكية ليثبت جدارته بالعمل الواقعي، ومن خلال دراسته للأدب العربي رسم الشخصيات التاريخية وخص مدينة حلب في الكثير من اللوحات، ومن ثم عاد إلى الفن الحديث بتجارب عديدة في التكعيبية وأدخل رموزاً عديدة، احتفظ في أغلبها بالأسلوب التعبيري، وأخيراً انتقل إلى الأسلوب التعبيري التجريدي بأسلوب خاص دمج فيها تجربته التي امتدت أربعة عقود؛ ليحصل على أعمال تدل على شخصية الفنان طاهر البني مبدعاً، كما بدأ بالألوان المائية التي عكست شخصيته الفنية المتمكنة في اللون والتكنيك، فكان واحداً من أكبر روافد الفن التشكيلي السوري .‏


بدأت مسيرة الفنان طاهر في أكاديمية فتحي محمد عام 1967. وفي هذه المرحلة وصلت إليها معالم الفن العالمي على يد الفنانين الذين تخرجوا في الغرب والجنوب. وفي هذه السنوات انتسب إلى هذه الأكاديمية عدد كبير من طلاب حلب، وهم من كبار فنانين سورية في هذا اليوم.. فليس من الغريب أن يكون الفنان طاهر قد تأثر بمعلمي الفن آنذاك وكانوا فيما بعد أصدقاء له. كما تأثر به زملاؤه في الدراسة فيما بعد .
الفنان طاهر البني يتمتع بثقافة هائلة، وبشخصية تتمحور في طريقة تصنيف نظرته البصرية. كان فناناً وناقداً في الوقت نفسه، فقد أجاد البني لغات تكتيكية مختلفة, كما أجاد لغته الخاصة ولغات الآخرين في جميع المدارس الفنية. فثقافته الواسعة والغنية جعلته ينتقل في التجارب المختلفة في كل لوحة.
في عام 2012 وفي جلسة منتدى حلب الشهري التي كانت تقيمها مديرية الثقافة بحلب، كان الفنان طاهر البني أنموذجا ومحورا لندوة أدارها الكاتب والناقد نذير جعفر، إذ بعد عرض موجز لفيلم وثائقي عن حياة الفنان البني، عرّف إلى الفنان بالقول: تمتد تجربة الفنّان طاهر البنيّ على مدى أربعة عقود, منذ أوائل السبعينيات حتى اليوم . شارك خلالها بالعديد من المعارض الجماعية, وخمسة عشر معرضاً فردياً في كل من حلب ودمشق وعمان واستانبول وأثينا، وقد مرّت هذه التجربة بخطيها المائي والزيتي بأربع مراحل رئيسة, غلب على كل منها اتجاه معيّن, بدءاً بالواقعية التسجيلية التي عني فيها بمحاكاة الأشكال وصوغها بدقة متناهية لا تهمل أصغر التفاصيل, مروراً بالتعبيرية التي مال فيها إلى التعبير التلقائي عن رؤاه وعالمه الداخلي متخلصاً بذلك من القواعد والصيغ الكلاسيكية الصارمة, فالتكعيبية التي نزع فيها إلى التبسيط الهندسي دون التخليّ عن البنية المحورية للشكل, وصولاً إلى التجريد الإيحائي الذي راح يمعن من خلاله في تغييب الشكل والملامح التشخيصية لصالح اللون وتجليّاته على مساحات اللوحة, وتدرّجه بين الظل والنور, وما يثيره من إيحاءات في ذهن ومخيّلة المتلقي. وقد اكتنزت هذه التجربة بخبرات فنية وتقنية, عبر تمثّلها لشتى المدارس والاتجاهات, ومحاولتها تكوين خصوصيتها وتفرّدها في المشهد التشكيلي السوري والعربي بما فيه من غزارة وتنوّع في حلب, لا بل في إحدى حاراتها القديمة داخل السور, ولد طاهر البنّي في العام 1950م,‏ فتنشق عبق الحضارات المتعاقبة في أزقتها, ومساجدها, وكنائسها, وقبابها, وقلعتها, وأسواقها, وحمّاماتها, وتكاياها, وخانقاهاتها, واقفاً متأملا جماليات عمارتها, وخطوطها, ونقوشها, وأبوابها, ولون حجارتها النحاسي برونقه الأخّاذ, ومشربياتها الخشبية المتعانقة والمزيّنة بكل فنون الأرابيسك التي تحكي ألف حكاية وحكاية. من تلك المشاهد والصور التي ارتسمت في وجدانه وذاكرته, تفتحت موهبته المبكّرة التي لفتت الأنظار, وراح يسعى إلى صقلها بالممارسة والتعلّم, فالتحق بمعهد الفنون التشكيلية في العام 1967 م, وفيه تعرّف للمرة الأولى إلى أعمال الفنان فتحي محمد.‏


ويُعد الفنان والباحث التشكيلي طاهر البني أول من كتب تاريخ الفن التشكيلي في سورية وذلك من خلال كتابه ( ذاكرة الفن التشكيلي في سورية ) الصادر عن وزارة الثقافة السورية بين عامي 2003 – 2006 وهو كتاب يقع في ثلاثة أجزاء، يستعرض تاريخ فنون الرسم والنحت والفسيفساء وسواها من الفنون التشكيلية التي ظهرت في سورية منذ 8000 سنة قبل الميلاد إلى 2000 سنة بعد الميلاد .
سيرة ذاتية:
طاهر البني فنان وباحث تشكيلي، مواليد سورية حلب 1950، إجازة في اللغة العربية وآدابها من جامعة حلب عام 1976، درس فن التصوير في مركز فتحي محمد للفنون التشكيلية بحلب 1967، وعمل مدرسًا لمادة التربية الفنية في مدارس حلب في الفترة الواقعة بين عامي 1971 و1981... صمم و أنجز عددًا من أعمال الديكور المسرحي في مهرجان الشباب للمسرح منذ عام 1972، وأقام اثني عشر معرضًا فرديًا داخل سورية وخارجها ما بين عامي 1971 و2009. شارك في معظم المعارض الجماعية التي نظمتها وزارة الثقافة السورية منذ مطلع 1971.
صدر له مجموعة من الكتب أبرزها :
( الفن التشكيلي في حلب ) منشورات وزارة الثقافة السورية ، دمشق 1997
( فضاءات تشكيلية ) منشورات وزارة الثقافة السورية ، دمشق 2002
( ذاكرة الفن التشكيلي في سورية ) ثلاثة أجزاء ، منشورات وزارة الثقافة السورية ، دمشق 2004
( تجارب تشكيلية رائدة ) منشورات وزارة الثقافة السورية ، دمشق 2006
( أطياف في التشكيل السوري ) الهيئة العامة للكتاب ، دمشق 2011
( مطالعات في التشكيل السوري ) الهيئة العامة للكتاب ، دمشق 2011
( النقد التشكيلي مذاهب و أعلام ) لم يطبع بعد .
( مطالعات في الفن العربي ) لم يطبع بعد .
( مطالعات في الفن الغربي ) لم يطبع بعد .
( موسوعة مذاهب الفن التشكيلي و أعلامها ) ثلاثة أجزاء ، 1200 صفحة ، لم يطبع بعد .
(وحيد مغاربة .مسيرة الإبداع بين التأصيل والتحديث ) تحت الطبع .


نشر عددًا من الدراسات النقدية حول تجارب تشكيلية مختلفة في معظم الدوريات الثقافية العربية منذ مطلع السبعينيات.وكتب في الموسوعة العربية الصادرة في دمشق .
حاضر حول الفن التشكيلي، وشارك في عدد من الندوات النقدية في كثير من المنابر الثقافية المحلية و العربية .
أعّد وقّدم البرنامج الإذاعي ” لمسات ” في الفن التشكيلي لإذاعتي حلب وصوت الشعب بدمشق، كما نال عددًا من الجوائز في معارض و مهرجانات فنية مختلفة . منها الجائزة الأولى في مهرجان القطن بحلب عام 1995، والجائزة الأولى في معرض الفنانين المعلمين في سورية لعام 2006، وجائزة الإبداع من مجلس مدينة حلب عام 2003
هو عضو اتحاد الفنانين التشكيليين في سورية، وعضو جمعية العاديات بحلب، أقام معرض حلب قصدنا وأنت السبيل عام 2016، ويُعد من رواد التصوير المائي في سورية في سبعينيات القرن العشرين، وواحداً من الفنانين التعبيريين في التصوير السوري المعاصر.
رقم العدد ١٥٧٦٠