" كروان حلب " في حديث خاص " للجماهير " حسن حفار: أغني للسميعة وأصحاب الطرب ولو دعيت للغناء على المسرح الحلبي لن أتأخر لحظة .. لأن جمهوري في انتظاري.

الجماهير / حوار رفعت الشبلي

لم يكن الوصول إلى أبو أديب صعباً، فبمجرد السؤال عنه ستدرك أنه معروف، كيف لا وهو ابن قلعة حلب " ابن القلعة" كما قال، يعرفه كل من يسكن في حلب القديمة، وكل من عاصر الطرب والإنشاد الديني قبل الأزمة، صوته فيه صحل، ويلقب بـ "كروان حلب " ما إن سألت عن " أبو أديب " حتى تهافت الناس وجميعهم أشاروا إلى الشارع (شارع باب المقام باتجاه القلعة) والزقاق والبناء 12 الذي يجلس فيه أحد أبواب حلب الفنية.

حسن محمد ديب أديب حفار " أبو أديب" الباب الثاني للقلعة، تولد حلب القلعة 1943 ساحة بزة، له 12 ولداً من ذكور وإناث ومن زوجتين، ولم يكن الابن الأكبر لوالده، كان الولد الرابع بين أخوته الخمسة، وكان والده يعمل في السوق " فرواتي " في المدينة القديمة.

كنت متخيلاً أنه يسكن في قصر عاجي وإذ به يلبس الدشداشة والمنديل وللوهلة الأولى وقد آثر الجلوس أمام القلعة ليعطيها نغمات من صبا، نهاوند، عجم، سيكا وبيات، وكانت هي الأخرى ترفعه درجات حتى يصل إلى شموخها ويرسخ في جذور الفن جذراً آخر لحلب، لم يكن يرغب بالظهور في وسائل الإعلام كما يفعل فنانو العصر من بروبوغندا إعلامية.

"الجماهير" أرادت بمناسبة عيد رأس السنة الهجرية أن تقدم لجمهورها شخصية متخصصة في الفن والإنشاد الديني، لها في سويداء القلب منزلة يعجز التائهون في الفن عن الوصول إليها، وقد استطاعت الوصول إلى الباب الثاني للقلعة بعد جهد.

التقت " الجماهير" بالمنشد حسن حفار في لقاء فريد وحصري لم يصل إليه أحد من الزملاء (الوسائل الإعلامية) قبل ذلك، لقاء قصير جداً جداً، حيث قال: في السابعة من عمري كان من يسمع صوتي في الأذان يقول: إن صوتي جميل، وعندما كبرت بدأت أعمل مؤذناً في الجامع الأموي بحلب لمدة استمرت 40 سنة، كان الناس في المدينة القديمة يقفون قرابة دقيقة ليستمعوا إلى أذاني عند العصر.

تعلمت القراءة عند الشيوخ في " الكتاب" فأنا أجيد القراءة ولا أجيد الكتابة .. وهذا شيء نادر ..ربما لم تصدق. الشيخ الذي تعلمت عنده القراءة لم يكن يعرف التجويد.

عندما عرفت أنني أملك صوتاً جميلاً ومرغوباً عند الناس " الهواية غلبت " كان والدي رحمه الله يوصيني أن أبقى محافظاً على هذا اللون دون الانجرار إلى الآلات الموسيقية آنذاك، ذهبت لأتعلم من المنشدين في الزوايا مثل: عبد القادر حجار وغيره.

أخذت من بكري الكردي " قاموس الفن " واستفدت منه كثيراً .. عرفني عليه الشيخ طاهر خير الله وقمنا بزيارة له في جامع الروضة " قال الشيخ طاهر .. شيخ بكري اسمع من هالشب، شوف نظرتي فيه" وعندما سمع بكري الكردي صوتي وأدائي قال: نظرك في محله وزيادة يا شيخ طاهر، وعاب على مطربي الحداثة أن لا ينسبوا أغنية " ابعتلي جواب وطمني" إلى بكري الكردي.

وبدأت أتعلم الموشحات وأرافق المنشدين، أستمع وأتعلم منهم .. إلى أن استمعوا إلي ... اليوم لا يستطيع أحد تقليدي بقصيدة " ليس المقلد كالمقلد وإن قلد ".

وقال عن عمر البطش وبكري الكردي: إنهما أساتذة الفن الحلبي .. لم أقابل عمر البطش فقد كنت صغيراً عندما وافته المنية ولم أغادر البلد طوال الأزمة وقبلها، إلا إذا كانت هناك حفلات، وبعد الانتهاء من كل حفلة أعود إلى مدينتي " حيث الأهل والأحباب أتنفس من محبتهم ".

بدأ الكلام ينهال منه أنغاماً عبر السلم الموسيقي ( دو ، ري ، مي ، فا ، صول، لا ، سي) موضحاً أنها ألف باء الفن، وكل من يريد تعلم الفن عليه أن يحفظ ويتعلم السلم الموسيقي والنغمات.

- ولدى السؤال عن النغمة والمقام والموشح، أوضح الفرق بينها، فكما يقول: النغمة شكل والمقام شكل والموشح شكل .. النغمة (عجم ، بيات ،صبا ، سيكا ونهاوند...)

وكل هذه النغمات تحتاج إلى سلم موسيقي.

- فالمقام مؤلف من 3 أو 4 نغمات .. يعمل الملحن على ضبطها مع بعضها البعض.

ومن بيات كورد " ايمتى الزمان يسمح يا جميل"

- الموشح .. أحفظ من الموشحات 200 موشح مع كلماتها وأوزانها و 100 قصيدة .. ربما تتعجب!

والموشح يتألف من دورين وخانة وغطاء .. فالشطر الأول والثاني مثل بعضهما مثال:

قلت لما غاب عني نور مرآك المصون

شفني والله سقم فيه قد ذقت المنون

وعيوني من نحيبي جاريات كالعيون

وجفوني ما كفاها ما جرى حتى جافون

هام قلبي زاد وجدي فمتى وصلك يكون

يا قمر دار العيون

الغطاء -.. نسبة إلى عمر البطش.

........ من مقام النهاوند.

فالدور الأول والثاني مثل بعضهما، والخانة، والغطاء.

- الدور: يختلف عن الموشح، له 3 أو 4 خانات.

ومن الشعراء الذين أثروا مسيرته الفنية: الشاعر صالح مارعي " من مارع"، كان يكتب مواويل غزلية ودينية، كما كتب قصائد أذهلت المستمعين في وقتها حتى ظن الناس أنها قديمة جداً، استفدت منها كثيراً، وكان صالح دائماً يكتب لي القصائد والمواويل .. وذكر منها:

يا سارياً وظلام الليل معتكراً حيتك وطفاه من مستنسب الديم

بلغ إذا جئت ذياك الحمى عرباً قد خيموا بين سفح البان والعلم

وإن نزلت مقاماً فيه قد خفقت جناح جبريل عني الترب فلتكم

وقل أسير هواكم قد شفاه ضم وحوض أنعامكم ورد لكل ضم

يا جيرة بسواد القلب قد نزلوا واستوطنوا منذ أخذ العهد بالقدم

وبين أنه لم يكن يأخذ من الموشحات " جديدها " فقد كان يعتمد على القديمة فقط، أما المواويل فمنها القديم والجديد، وعلى سبيل المثال:

كم صغت لك من تسابيح الغرام ورود يا من جمالك فتن حور الحسان ورود

يا با ما أزهر الدوح أو فتح بروضه ورود إلا موجد بذاتك بالجمال وهدف .....

لا يستطيع غير العارف بهذا العلم أن يتنقل بين هذه النغمات والأوزان " مصلحتي" كما أسماها.

- في دار الأوبرا بفرنسا وقفت على خشبة المسرح أكثر من مرة وقد صفق الجمهور المستمع آنذاك بحرارة لأنهم كانوا مستمعين من الطراز الأول، كما كان لي لقاء مع راديو مونت كارلو.

أيضاً في البحرين والقاهرة وبيروت وتونس الخضراء والمغرب .. أقمت فيها حفلات رائعة، لم أنس الجمهور في ذلك الوقت كيف غمرني بالمحبة، لكن للأسف لم أنل حظوة من الإعلام الوطني.

وعندما بدأ أذان الظهر .. قال: أتعلم أن للأذان 3 نغمات أساسية هي: " بيات ، حجاز ورست " عدا عن ذلك يتحول الأذان إلى ما يشبه الغناء.

في حديث أبو أديب عن عمالقة الطرب الحلبي قال: كان صباح فخري أقدم مني وأعرف وأحفظ مع العلم أننا كنا سوية، أحيينا حفلات كثيرة، أما بالنسبة إلى صبري مدلل فقد كنت أحفظ أكثر منه وأعرف أكثر منه وعملت معه 30 سنة قبل أن يلتحق بالآلات الموسيقية ويتركني.

قال: كنت طموحاً، في الليلة الواحدة أحفظ موشحاً كاملاً مع لحنه ووزنه، وذلك فضل من الله، الله وهبني صوتاً جميلاً فيجب أن أكرمه .. وبقيت محارباً من أعداء الفن لمدة تزيد على 30 سنة بعد أن بدأ الفن الجميل والأصيل يخفت نوره.

كان أبو أديب متواضعاً هادئاً في جلسته، افترش الأرض المحيطة بالقلعة " ربما ليظل حارس فنها الأصيل" .. أنا يا بني أغني للناس السميعة وأصحاب الطرب ولو طلبت الآن للغناء على المسرح في حلب لن أتاخر لحظة .. لأن جمهوري في انتظاري.

ثم ودعنا أبو أديب على أمل اللقاء به في مكان عمله على خشبة المسرح حيث الجمهور ومكانه بينهم.

رأي المحرر ..

إن الإعلام هو مرآة المجتمع، وهو وسيلة تثقيفية بالإضافة إلى كونه وسيلة تعليمية، ولا يزل إعلامنا يطبل لمطربي " نص كم " ويجعل من الجمهور غير مستمع، مع العلم أنه ربى جمهوراً يستمع إلى أغاني فيروز كل صباح وذلك عبر السنين، والمطلوب إعادة الجمهور إلى أيام الفن الجميل.

رقم العدد 15786