الرفاعي تتحدث عن ألم المدينة في معرضها الفني .. وحفل توقيع كتابها (نقش على الوجدان)

الجماهير- بيانكا ماضيّة
لوحات فنية هي نقوش في الذاكرة تمسك بها فلا تنفكّ عنها، لوحات تضمّنها معرض المهندسة رفاه الرفاعي الفني، الذي أقيم في صالة الخانجي للفنون الجميلة بحلب، بمناسبة أعياد تشرين، وبدعوة من مديرية الثقافة بحلب.
البيوت الحلبية بدفئها الداخلي، والمدينة القديمة بكل ما تحمله من تراث وعراقة، وشوارع حلب العتيقة، وآثار الحرب في النفس الإنسانية وفي المدينة. كلّ ذلك نطالعه في لوحات الرفاعي التي عشقت مدينتها حلب وعشقت وطنها، ونتلمسه في منمنماتها وزخارفها. هذا العشق الذي لم تجسّده في اللوحات بأسلوب واحد وحسب، وإنما بأساليب عديدة، وبفنون متعددة، حتى كان كتاب (نقش على الوجدان)، الذي احتفي به في حفل التوقيع الذي رافق المعرض، جنساً أدبياً يضاف إلى تلك الفنون التي أرادت الرفاعي، بفرادتها الفنية ونظرتها الجمالية، إظهار ما في داخلها من أحاسيس ومشاعر تجاه المدن التي نالت الحرب من جمالها.
قدم حفل توقيع الكتاب عبد القادر بدور رئيس الجمعية العربية المتحدة للآداب والفنون بإشارته إلى أحد مقاطع الكتاب، بالقول: لنعد إلى الرواد المساكين الذين أضاعوا أعمارهم يغربلون التراب ويغسلونه بحثاً عن ذهب مراوغ، هنا في سورية كثيرة هي الأشياء النادرة والمصنوعة من الذهب الصرف، فهؤلاء الشباب غابة السنديان قلوبهم من ذهب ولكن التراب القيمة الوطنية العليا الأغلى من أي ذهب. أنا حجر أبتعد عن الرومانسية فليست هذه من طبيعة الأحجار ولكن عندما يتحول الحجر إلى مفهوم يمسّ الوجدان فله أن يعبر عن أهمية المكان بإيقاع صادق ونقوش مفهومة.. تلك هي بعض النقوش في وجدانيات رفاه الرفاعي.. مهندسة معمارية أقامت معارض فنية فردية ومشتركة في كل من حلب ودمشق والكويت، من أجل حلب ومن أجل ما جرى فيها كتبت كتابها هذا لتنقش بالحرف كل الكلمات ولتنقش بالريشة كل الألوان.
فيما قرأت الرفاعي بعضاً من المقاطع التي تضمّنها كتابها (نقش على الوجدان) ومنها حديثها عن الوطن بقولها: "هاهنا وطني، حسن التاريخ، محج الأجيال القديمة، مزار الأجيال القادمة. وطني مبني بحجارة من سكر مضموم بالشهد، تظلله أشجار الليمون والبرتقال والنارنج الشامي، تفوح في عطفاته توابل الكلمة، هذا هو وطني الذي أحب بكل ما في الأشجار من صلابة. أنا حجر في صور، أنا جزء صغير من كل كبير، لذا سأبقى في مستقري، ألازم خزائن نقوشي، أرتب رفوفها، أنسق صورها، أحرص على إيقاعاتها المغرقة في القدم، أسافر مع موسيقاها الشبيهة بالصلاة، إلى حيث لا يرتهن الإنسان ولا يقهر ولا يروّع".

فيما توقف الأديب القاص عبد الغني مخللاتي عضو مجلس إدارة الجمعية العربية المتحدة للآداب والفنون، المسؤول الثقافي، عند كتاب (نقش على الوجدان) ليشير إلى أنه بقراءته الكتاب، وقبل رؤيته لوحات المعرض، تخيّل ألواناً رمادية وبقعاً سوداء، تنبثق منها براعم وكمام زاهية اللون، وقد قال: رفاه قدمت في كتابها حزن بلادها والألم الذي حلّ بها على طبق من أمل ورغبة في الحياة، ويمكن تلخيص هذا الكتاب بجملة استخدمتها الكاتبة في نصوصها حين قالت: (اكتبي عنه لا له) فهي تكتب مأساة الأطفال والشباب والعجائز بكلمات، حبرها الألم والحزن، وخطوطها الأمل والحب. تنوعت الأعمال في هذا الكتاب بين المقالات والخواطر والنصوص التي تطرق باب القصة، حتى أنه يوجد ما يمكن تسميته بسلسلة قصصية لمجموعة من النصوص تتمحور حول فكرة واحدة وأقصد نصوص (عشير وأحمد عيسى)، وكان هناك الرسائل كنصّ (رسالة مفتوحة إلى الفراشة في طيرانها الأول) وقد غلبت على النصوص سمات السرد وعناصره، ولولا التقريرية في بعض النصوص لاعتبرناها نصّاً كاملاً كما في نصّ (الحاج زهدي) ونصّ (أسموه مقعداً) و(أغلى من الذهب) وغيرها. ولم تنس الكاتبة العزف على أوتار الألم العربي، وإن كانت سورية قد استحوذت على حوالي نصف الكتاب في المجموعة الأولى، فقد أفردت الكاتبة المجموعة الثانية من كتابها للحديث عن القضية الفلسطينية وآلام الشعب الفلسطيني، وبعد ذلك خصصت المجموعة الثالثة للحديث عن اليمن الجريح. انتقلت الكاتبة في القسم الأخير من كتابها لتطوف في سماء الحب الإنساني الصافي الذي لا يفرّق بين أحد، وكأن الكاتبة انتقلت من البعد الوطني إلى الأفق القومي وصولاً إلى الفضاء الإنساني".
وتحدث أحمد ناصيف رئيس فرع اتحاد الفنانين التشكيليين بحلب " للجماهير" عن لوحات المعرض قائلاً: نلاحظ في هذا المعرض تنوعاً في اللوحات وتنوعاً في الأساليب المتعددة، إذ استخدمت طرقاً عدة، استخدمت الكتلة المعمارية، والطبيعة، والزخرفة على الزجاج. ونلاحظ أن لديها أساليب في المائي وفي المائي على مبدأ الأكريليك. لديها شغف لتقديم شيء معبر عن الآلام والمعاناة التي تعانيها هي ويعانيها الشعب. انتقت حكاية بلد جسدت فيها الدمار الذي ألمّ بمدينة حلب. الفنانة انتقت أسطورة جسدتها بالكتابة على لوحات ومشاهد متعددة، إذ حاولت بالكتابة التعبير عن اللوحات في الوقت الذي لم تكن فيه تلك اللوحات بحاجة لهذه الكتابة لأنها معبّرة عن نفسها، إذ هي مجموعة (اسكيتشات) ضمن لوحة، ونلاحظ أيضاً تقنية فنية مقبولة من خلال التعبير اللوني، كما جسدت أشياء رغبت في إظهارها وأضافت عليها انطباعها الخاص عنها، كلوحة مدينة (معلولا) المعروفة بتعانق الأبنية فيها، إذ حاولت فيها تقديم أسلوب مخالف لما نراه في الواقع.
وأشار الفنان التشكيلي بشار برازي في لقائنا معه إلى أنه أحبّ مائيات الفنانة الرفاعي، ففيها إحساس عالي الجودة، وفيها إضاءات جميلة، والفنانة بشكل عام اختارت الأبنية القديمة التي جسدتها بغير مدرسة فنية، فبعض الفنانين حتى لو تعددت المواضيع لديهم فإننا نشعر بالأسلوب نفسه. أحببتُ الأعمال التي تحمل البساطة والقصص العميقة التي ليست فيها إشارة واضحة، ففي الفن يكون الرمزي أجمل. وعموماً هناك حسّ أنثوي في اللوحات، والمائيات مسيطرة تماماً من حيث الضوء والتكوين، أما في لوحات الزيتي فالمواضيع مختلفة جداً، ولا أستطيع أن أعزوها إلى مدرسة معينة، هي متنوعة في الأسلوب وفي المزج، وهناك أشياء جمالية مقبولة وهناك ما هو أهم وهو أنها جعلتنا نلتقي نحن الفنانين ببعضنا، إذ هي فرصة للقاء الفنانين والأدباء والمهتمين في مناسبات كهذه.

ولدى سؤالنا الفنانة الرفاعي حول هذه الأساليب التي اتبعتها، وأين تجد نفسها فيها فقد قالت: أجد نفسي في كل تلك الأساليب، بعض اللوحات المزج فيها كان أكثر من غيرها، وبعضها الآخر نجد فيها أعماقاً ثقافية وفكرية أكثر، ولكن الفنان حين يرسم ينسجم مع لوحاته ولو بشكل آنيّ، وفيما بعد يأخذ الآخرون دوره...
وتتابع الحديث عن رؤيتها الهندسية في لوحاتها وعلاقتها بالمدينة القديمة فتقول: الهندسة علم وفن، وقد تتدخل هذه الرؤية في رسمي للحارات القديمة.. أما عن علاقتي بالمدينة القديمة فهي علاقة مودة وحبّ، فالحارة القديمة حكايات كلها. الحجر يحكي، والناس يحكون، تسمعين أمثالاً شعبية، وترين أحداثاً لا ترينها في الأمكنة الحديثة، فالقديم يحمل حياة إن تغلغلنا إلى عمقها نجد فيها الكثير.
وعن كتابها (نقش على الوجدان) تقول: هو حصيلة سنوات الحرب، سجّلت بعين الفنان في الرسم، وبعين الكاتب في الكتابة كل الأحداث التي أعدّها، جسدت البطولات والإحساس بالوطنية والفداء وبالأخص من دافع عن هذا الوطن. وهو دعوة للسلام، لأن الحرب ليست طريقة حياة، وإنما هي طريقة قتل لا تؤدي إلا إلى مزيد من الموت..
في الشق الثاني من الكتاب يتضمّن فلسطين، وما اجترحه الفلسطينيون من بطولات تعبر عن محبتهم لوطنهم في الدفاع عنه، وما حصل في اليمن أيضاً، تقول: كتبت عن أحداث علقت عليها بمنظوري الإنساني، ثم عن الإنسانية جمعاء بغض النظر عن الأديان والطوائف والفرق أي ما يفرق الناس، فأنا أبحث عما يجمعهم لا عما يفرقهم، ولهذا يجب أن نبحث عن زوايا اللقاء فيما بينهم لا عن زوايا تفرق بينهم.
أما الفنان صلاح الخالدي فيقول عن هذا المعرض: هو لوحات عدة مرسومة بالألوان الزيتية والمائية، جمعت فيها الفنانة بين الخيال والواقع، ورسمت الحارات بصورة جميلة جداً، بما له ارتباط وثيق مع الحارة التي نشأت فيها الفنانة نفسها، وهي حارة (البيّاضة) إذ نجد لوحات عديدة لها، ومن ثم هناك أعمال مائية وزيتية تراوحت بين الأعمال ذات الطبيعة والأعمال الدرامية، ويبدو أن لديها حساً شاعرياً طرحته في لوحاتها من خلال الزخرفة والشعر والرموز، بالإضافة إلى أنها مرتبطة بالأرض والوطن والحرب التي عبرت عنها في قصائد عدة في كتابها. ونجد أيضاً الحسّ الهندسي الموجود لديها في اختيار زاوية الرؤية وفي اختيار اللون الجميل، وفي انتقاء الموضوعات المرتبطة بالحجر، ولديها أيضاً قوة خيال أراها مثلاً في المقابر الجماعية التي جسدتها في إحدى اللوحات، إذ نرى فيها دماراً هائلاً.. كما أكدت هذه القوة في رؤيتها للسلام حين تناولت غزة واليمن، البؤر التي ما زالت تشهد الحروب، كل ذلك بحس إنسانيّ وطني عالٍ.
ت هايك اورفليان
رقم العدد 15862