الكتابة ... هل هي وسيلة للتعبير أم هي الوجود بحدّ ذاته ؟! .. عدد من الكتاب للـ"الجماهير" .. ماذا تشكّل الكتابة بالنسبة إليهم !؟!

الجماهير – بيانكا ماضيّة
هل الكتابة تعبير عن مكنونات النفس وحسب؟! أم هي محاولة لتجاوز الذات والانتقال بها إلى عالم يحلم به الكاتب؟!
الكتابة هي انعكاس لمجريات الحياة يدّونها الكاتب على الورق، هي ارتعاشة وألم وذاكرة، قد ينتقد الكاتب من خلالها الواقع الذي يعايشه، أو يرفع فيها قيماً ومثلاً وفضائل!
هي مغامرة على الدوام، وقوة مضادة لكل ما هو سلبي في هذه الحياة، وتشكل خطاباً ذاتياً نحو الآخر تجاه كل ما يجري في هذه الحياة.
تكمن أهميتها في أنها أداة الإبداع ووسيلته، يُعبَّر من خلالها عن الأحاسيس والمشاعر والأفكار، وهي وسيلة لنقلها إلى الآخرين، وهي أداة من أدوات المعرفة والتثقيف، وأداة اتصال الحاضر بالماضي، وللتعبير عما يدور في النفس والخاطر، بها حفظ تراث الكثير من الأمم.
في مقالنا هذا توقفنا مع عدد من الكتّاب والأدباء؛ لنعرف ماذا تشكّل الكتابة بالنسبة إليهم!
الناقد والقاص عدنان كزّارة:
شكّلت الكتابة بالنسبة إليه تحدياً لنفسه إذ انبهر بكتّاب كان يقرأ لهم وشعر بلذة عميقة وهو يعيد بيني وبين نفسه بعض عباراتهم ليستخدمها في كتابة رسالة أو في حواره مع أصدقاء ليثبت سعة اطلاعه أو بالأحرى لينتزع الاعتراف منهم بأهميته كمثقف. ويقول: ثم بدأ هذا الإحساس يزايلني، وأنا أتقدم في العمر وأنخرط في الحياة بشتى أشكالها، إذ وجدت أن الكتابة همي الأكبر وأنها باتت شرط وجود بالنسبة إلي. وإذا صادف أن انقطعت عنها لسبب من الأسباب شعرت أن ثمة نقصاً وجودياً أعانيه ويسبب لي قلقاً وفقدان ثقة بالنفس أحياناً. إذاً، أصبحت الكتابة إرواء ذاتياً لنفسي، غير أن هذا الإرواء قد تطوّر في نفسي مع المهام التربوية التي اضطلعت بها لتصبح الكتابة عندي رسالة أوجهها إلى الآخر تأخذ شكل قصة أو مقالة نقدية أو بحث تربوي أو فكري، دون التنكر لرغبتي في أن أعرف من قبل الآخرين كقاص أو ناقد أو باحث. والآن أشعر وبكل صدق أن الكتابة هاجس يملأ حياتي، بل إنني لأحس بالنقص والكآبة إذا مضى وقت طويل نسبياً ولم أكتب فيه شيئاً. وباختصار أقول: إن الكتابة غدت حياتي المثمرة والتعبير الأقوى عن كينونتي.

الكاتب والباحث محمد قجة:
الكتابة لديه دأب يومي نهض به منذ سنين طويلة. ويقول: في كتاباتي تنوع بين الشعر والنقد والبحث والنص الأدبي والدراسة التاريخية. وهذا التنوّع الثقافي والمعرفي يجعلني أبحث عن مزيد من الوقت لقراءاتي وكتاباتي. وأعمالي المنشورة كثيرة بين كتب مطبوعة ومقالات وقصائد وبحوث تعد بالمئات في منابر عربية وأجنبية كثيرة. لهذا كله فإن الكتابة هاجس يومي يلاحقني ولا أجد عنه منصرفاً.
الأديبة والشاعرة ليلى مقدسي:
ترى في الكتابة تغلغلاً في الوجود الإنساني وما فيه من تناقضات (الحرب، السلام، الألم، السعادة، الفقر، الظلم) أي العذاب الإنساني، وتقول: من خلال كتاباتي كنت أبحث عن جوهر الإنسان في المحبة الإنسانية وكما قال الصوفي ابن عربي: أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني - وتعمقت في المحبة الإنسانية بلغة صوفية، لغة وجدانية، لغة روحانية، وحلمت أن أشعل شمعة نور المحبة في الوجود المعتم. وكل كتاباتي فيها معاناتي ومعاناة الإنسان، والتعبير عنها بصدق المشاعر، سواء في القصة أم في الرواية أم في الشعر. ومنذ صغري وأنا ابنة الريف أعشق الطبيعة، بحرها، أشجارها، زهورها، طيورها، فتعمقت في تأملاتي وتغلغلت إلى كتاباتي؛ لأنها علمتني سر العطاء ومعنى الحب، والصبر على كل معاناة وقوة الخروج منها بإرادة وطموح. أما الشعر فالشاعر مبدع الجمال، وهو تعبير عن أحاسيسي ومشاعري وكنت أتبع قول برناردشو "اللا قاعدة هي القاعدة الذهبية" وحررت كتابتي من الشكل المغلق إذ لا يوجد شكل مقدس، وكان لي أسلوبي الخاص، ولغتي الصورة الشعرية قوة القصيدة والإيقاع والانفعال لأن الشاعر ضمير التاريخ وليس آلة بداخله، والعاطفة الصادقة توهج الكتابة وتصل إلى القارئ، فيعيشها بصفاء ويتفاعل معها، فالمحبة الإنسانية درب طويل ورحلة عمر لا تنتهي.

الكاتب سامر أنور الشمالي:
تنوعت كتاباته في الأجناس الأدبية وأغلب كتاباته تشكّل حياته كلها، أو هي طريقته في الحياة، ويرى أنه يجب ألا يكون الكاتب مضطراً إلى العمل بمهنة أخرى غير الكتابة، ويقول: بدأت الكتابة في سن مبكرة، وعلى الفطرة، فلم أكن أعرف شيئاً عن احتراف الكتابة، وتعود أسباب هذه الأمنية إلى أنني كنت قارئاً جيداً منذ الصغر، ثم خطر لي أن أصبح كاتباً دون معرفة السبيل إلى ذلك. للأسف لم أجد أي ناصح بقربي، ولم يمد لي أحد يد المساعدة، فقد كنت بعيداً عن الوسط الأدبي آنذاك. ثم بدأت النشر في الدوريات حين أتممت العقد الثاني من عمري، وبعدها بدأت بنشر كتبي. ومن يومها لم أتوقف عن ممارسة هذه الهواية التي صارت مهنة فيما بعد، فأنا لا أمارس أي عمل آخر، وهذا نادر في عالمنا العربي لقلة موارد أصحاب الأقلام. وعلى كل حال لا أحلم بأن أعيش حياة مرفهة كأدباء أوروبا الذين يمتهنون الأدب. ولكن لا بد من الإشارة إلى أنه يجب ألا يضطر الكاتب إلى النشر خارج بلده ليحقق مورداً مالياً يستطيع الاعتماد عليه ليعيش بشكل لائق، والكاتب السوري يستحق أن يعيش من كتاباته دون الحاجة إلى العمل في مهنة ما أو النشر خارج وطنه.
رقم العدد 15863