نقلة نوعيّة وتجربة حداثيّة في معرض الفنانين التشكيليين الخانجي وداود


الجماهير- بيانكا ماضيّة

بين الأصالة والمعاصرة، وبين استجلاء الحالات الإنسانية وانعكاس الحرب على النفس الإنسانيّة، يطالعنا معرض الفنانين عبد المحسن خانجي وإبراهيم داود، الذي أقيم ضمن فعاليات ملتقى الفنان التشكيلي فاتح المدرس بمناسبة يوم وزارة الثقافة، وذلك في صالة الخانجي بحلب.
غلبت على المعرض اللوحات التي تقدم الألم والحزن الداخليين، أكان لدى الخانجي أم داود، فكلاهما سعيا من خلال أعمالهما إلى تقديم حالات إنسانية متعبة من خلال الوجوه التي تجلى في ملامحها التعب والانكسار وآثار الحرب المدمرة لنفس الإنسان، على اختلاف أسلوبيهما في طريقة تقديمهما الأفكار والرؤى. فقد ظهرت أسلوبية الخانجي في معظم اللوحات على الرغم من تقديمه تجربة جديدة استخدم فيها الرولييف (النافر)، مما أضفى عليها بُعداً جديداً لم يستخدم من قبل. فيما كان التطور واضحاً في لوحات داود، شكلاً ومضموناً، مقارنة بلوحاته السابقة وينبع هذا الأمر من الأفكار التي قدمها والحالات الإنسانية الحزينة التي جسّدها.
يوضح عبد الكريم عبيد رئيس فرع حلب لاتحاد الصحفيين في لقائنا معه أن المعرض اتسم بحرفيّة فنيّة جسد الفنانان الخانجي وداود من خلالها سنوات الأزمة التي مرت على المدينة، والصمود الذي عاشته. وهذا ما لمسناه في أعمال داود التي اتسمت بحسّ إنساني واضح استخدم فيها رمزية المرأة التي ترمز إلى الحياة والأرض والوطن، هي لوحات مشبعة بالحالات الإنسانيّة التي استطاع تجسيدها بأسلوب فنّي رفيع. أما الفنان الخانجي فقد استخدم طريقة حديثة في تعاطيه مع اللون والرسم على القماش، وحقيقة هذه بادرة تسجّل له، إذ نستطيع أن نقول إنه أسس لنموذج تشكيلي ليس في حلب وحسب وإنما على مستوى سورية، وهو يمتلك هذه الرؤية ولاسيما أن لديه خبرة وتاريخاً ويعدّ من كبار الفنانين في مدينة حلب، فقد استخدم الألوان التي أعطت هذا الأسلوب حيوية ونشاطاً يبعث في نفس المتلقي حالة من الجمال والتفاؤل.


ونسأل الفنان الخانجي عن التقنية الجديدة التي استخدمها، فيقول: هي تجربة جديدة، وهي استخدام المعجون والرمل.. وقد جعلتني الفكرة أستخدم هذه التقنية، إذ جسدّت الرموز القديمة وعلاقتها بالإنسان والمجتمع، وبالحاضر والمستقبل، فوجدت أن هذه المعجونة تخدمني بشكل جيد في طرح فكرتي التي يستطيع المتلقي أن يشعر بها من خلال اللمس، هي شكل نافر، نشعر كأنه محفور في الحجر، أو عبر التاريخ، عبر الزمن.. الأفكار الموجودة من خلال الرسومات في اللوحات هي نفسها الرموز الموجودة، ولكن في استخدامي بعض الرموز التراثية أضفت عليها شيئاً من رؤيتي، فاخترعت رمزاً جديداً من خلال الفكرة التي طرحتها، ومن الممكن أن يتداول هذا الرمز الجديد فيما بعد ليكون إلى جانب الرموز الأخرى.
أما الفنان إبراهيم داود فيحدثنا عن هذه النقلة في لوحاته، قائلاً: ليست نقلة بقدر ماهي رابط يتعلق بالأزمة نفسها، ومحاولة النهوض منها، فهناك في بعض اللوحات تشعرين بالأزمة الداخلية التي تعيشها شخصيات اللوحات، وفي بعضها الآخر نرى الدم والدمار وكل ما عشناه في حالة الحرب، لكن في لوحات أخرى هناك نوع من الألم، إذ نجد الانكسار الداخلي لمن فقدت زوجها أو أخيها أو ابنها، استخدمت رمز التفاحة لأشير إلى هذا الحلم الذي يبقى بعيد المدى، إضافة إلى الحمامة التي ترمز إلى الحب والسلام اللذين نريد الحفاظ عليهما، مع وجود الأمل في أن يسير البلد إلى الشكل الأفضل، ويبقى الأمل موجوداً في المحبة والسلام. أغلب اللوحات تحمل بصمة حزن، فمهما حاولنا العيش بفرح يبقى هذا الحزن موجوداً في دواخلنا. وأستطيع القول: إن هذه اللوحات هي رؤيتي في تأثير الحرب على الإنسان وخاصة المرأة.
الفنان التشكيلي برهان عيسى أشار في لقائنا معه أيضاً إلى الخصوصية في شخصيات الخانجي، وإلى أسلوبه المعروف به، لكن وجود تجربة جديدة يعد إضافة مهمة إلى تجربته في الفن التشكيلي، ألا وهي استخدام الرولييف..لقد أذهلتنا بعض اللوحات التي تعدّ رؤية متميزة لدى الخانجي.
الرسامة أمينة هورو، إحدى زائرات المعرض قالت: وجدت في أعمال الفنان إبراهيم تطوراً عن لوحاته السابقة، أما لدى الفنان محسن فنجد هذه التجربة الجديدة المختلفة، إذ هو اشتغل على ما يشبه الرولييف (النافر) مما يعطي إحساساً بالقِدم والتعتيق.
فيما أكد الفنان التشكيلي عابد عبد الأحد أن أسلوبيّة الخانجي تتضح في أعماله، فهو – كما عرفناه في الفترة الأخيرة- يستخدم الرموز، ولكن في هذا المعرض استخدمها بطريقة جديدة لافتة، حتى إن بعض اللوحات تعدّ أيقونات لجماليتها وعمقها الفكري.


ونتوقف مع المهندسة ريم خانجي التي حدثتنا عن تجربة والدها بالقول: كل عام يسعى والدي إلى تحقيق قفزة نوعية، فنحن اعتدنا على أسلوب معين له، وفي كل معرض نجد لمسة عبد المحسن خانجي لكن الموضوع نفسه ينقلنا إلى عالم آخر، فعندما نقارن بين معرض وآخر نجد أنه يدهشنا في تحقيق اللمسات الجديدة على لوحاته، فمرة اشتغل على الشرقيات ومرة أخرى على المولوية، بعدها دخل في الحالات الداخلية للإنسان، وفي هذا المعرض أشعر أن هناك لمسة من كل معرض، أو من كل موضوع، ولكن في هذا المعرض هناك المختلف. هناك أفكار فلسفية مطروحة، وأخرى تخص الإنسان، وفي لوحات نجد الشرقيات، لكن في النهاية يشعر المتلقي أن هناك شيئاً جديداً طرحه الخانجي في هذا المعرض.
وعن أعمال الفنان إبراهيم تقول: رأيت ما هو جديد في أعمال إبراهيم، وما هو إنساني، يحمل رسائل إنسانية، إذ يتضح موضوعا السلام والمرأة في اللوحات.
حضر المعرض أحمد ناصيف رئيس فرع اتحاد الفنانين التشكيليين ، وحشد من أصدقاء الفنانين، والمهتمّين بالفن التشكيلي.
ت هايك
رقم العدد 15872