إطلالات موجزة على التشكيل التقني والفني لقصيدة " الناس في بلادي"

الجماهير – نجود سقور


إطلالات موجزة على التشكيل التقني والفني والموسيقي لقصيدة (الناس في بلادي) للشاعر صلاح عبد الصبور وذلك في محاضرة أقامها اتحاد الكتاب العرب بالتعاون مع مديرية الثقافة بعنوان: (قراءة في قصيدة الناس في بلدي) في مقر الاتحاد في شارع بارون استعرض المحاضر الدكتور أحمد قدور في البدء مقدمة عامة عن تجربة الشاعر صلاح عبد الصبور في شعر التفعيلة وقضية المعاصرة في الشعر الحديث ثم قدم دراسة معمقة موجزة للتقنيات الفنية للقصيدة إذ قال: تتألف القصيدة من ثلاثة مقاطع وهي مبنية على تقنية التفعيلة والسبر وليس على البيت وحروف الروي وهي تشبه حكاية ما فالشاعر عبد الصبور سعى إلى إدخال عناصر قصصية درامية في القصيدة ولكن أيضاً أدخل فيها تقنيات فنية غنائية.
كما لفت المحاضر قدور إلى أن التشكيل الموسيقي للقصيدة مبني على تفعيلة الرجز وهي (مستفعل) وهي من أشهر بحور الشعر عند الكثير من الشعراء وفيها جوازات كثيرة فالشاعر عبد الصبور استعمل ما يجوز وما لا يجوز لنظم قصيدته.
ثم أشار المحاضر إلى خصائص الإيقاع الموسيقي في القصيدة حيث قال: إن الإيقاع في القصيدة هادئ وسهل ليس فيه انفعال أبداً وهذا لا يوافق الأذن العربية التي اعتادت على الموسيقا المجلجلة ففي المقطع الأول نلاحظ أن الموسيقا وصفية (كالشجر –لكنه بشر-مكبر بقدر) وفيها أيضاً أنماط موسيقية مبنية على أوزان الصرف مثل (وهو يجلس- الصقور- النقود) إضافة إلى وجود قافية ذات الروي ولكن ليست كثيرة مثل: (الناس في بلادي-جارحون كالصقور- غناؤهم كرجفة الشتاء) في المقطع الثاني نلاحظ أن الموسيقا صارت خافتة حكائية استخدم الشاعر أسلوب السرد فيها حيث يروي للقارئ الحياة الرتيبة للفلاح (وعند باب قريتي يجلس مصطفى وهو يقص ساعة بين الأصيل والمساء). في المقطع الثالث الموسيقا سهلة هادئة تكاد تختفي وتتلاشى حتى نصل إلى نهاية القصيدة وهنا أراد الشاعر أن يهز القارئ ويقول له: هذا هو المعنى من القصيدة الذي أريدك أن تنتبه له (كان العام عام الجوع) ثم أوضح المحاضر تشكيل الصور في القصيدة فقال: الصورة في المقطع الأول حسية تعبر عن التعاطف والصدق وفي المقطع الثاني التصوير حكائي حول رتابة حياة الفلاحين وفي المقطع الثالث نهاية الحكاية جاءت الصور فيها مختلة.

ثم بين المحاضر الشكل الغنائي للقصيدة فقال: القصيدة فيها حوار داخلي يقوم على التفعيلة وليس على البيت ووحدة القافية والروي، والقصيدة مبنية على ثلاثة مقاطع كل مقطع يكاد يستقل بموضوع وبناء معين، بمعنى أن الفكرة تؤثر على البناء ففي المقطع الأول كان البناء موسيقياً عالياً وكانت الصورة مفاجئة وصادمة، وفي المقطع الثاني كان البناء رتيباً بإيقاع أخف وصور ضعيفة للغاية كأنه نثر، وفي المقطع الثالث موسيقا تبشر بولادة جديدة، فيه عناصر قصصية درامية تعبر عن الصراع بين الفلاح والإقطاع في خمسينيات وستينيات القرن الماضي في مصر.
ختم المحاضر بأن القصيدة تنوعت فيها تقنيات التعبير الغنائي ما بين الوصف والسرد وعناصر الدراما والتشكيل اللغوي الواضح عبر مفردات بسيطة ولكنها معبرة وأن الأساليب تنوعت ما بين الخبر والإنشاء وأغلبها سردي إخباري وأن الشاعر يريد أن يروي للقارئ منذ البداية المشهد الكامل لحياة الفلاح البسيط ولذلك غلبت الأساليب الخبرية على الإنشائية إلا العبارات التي دلت على النداء والاستنكار.
الجدير ذكره أن المحاضر قرأ نبذة تعريفية في بداية المحاضرة عن الشاعر صلاح عبد الصبور موضحاً أنه ترك وراءه إرثاً غزيراً من الشعر والمسرح ومن أهم هذه المؤلفات (الناس في بلادي- أقول لكم –تأملات في زمن جريح- مأساة الحلاج- ومسافر الليل) حمل شعره سمات الصدق والحزن والألم ومن أبرز الدراسات التي كتبت عنه ما كتبه الناقد عز الدين إسماعيل في كتابه (الشعر العربي المعاصر).
هذا وقد تخللت المحاضرة التي حضرها عدد من الأدباء والشعراء والمهتمين بالشأن الأدبي مداخلات عدة حول شعر التفعيلة والشعر الحديث وقضية المعاصرة في الشعر وإشكالياتها والتجربة الشعرية الحداثية.
رقم العدد 15877