صفوان العابد .. على المطرب السوري أن يجتهد أكثر وأن يهتم بصوته وبمخارج الحروف وأن يتأنى في اختيار اللحن والكلمة

الجماهير / نجود سقور
حيث يحلو للنفس أن تهرب من العتمة إلى النور، وحيث الوميض الأول للحياة ينبثق من خلجات الروح وصرخات الوجع، معمداً بالمحبة.
في حلب العبقة بنسائم التراث في عام 1962 أبصر صفوان العابد نور الحياة من رحم الأم العطوفة صاحبة الصوت الملائكي التي ترعرع في كنفها على حب الفن والغناء وهي تغدو وتجيء في أنحاء البيت تدندن بصوت أشبه بصوت أسمهان، من هنا غزا شغف الفن والغناء روح ووجدان هذا الصبي وعندما لمست أمه هذا الشغف وهذه البوادر أمسكت يديه وأودعته بين أساطين الفن واللحن لينهل من هذا المنهل ما كان له خير زاد في قادم الأيام.
يقول صفوان العابد في حديث الشجون والذكريات ووسط ابتسامة هادئة تشف عن روح إنسانية راقية: بدأت كأي مطرب حلبي قديم فكنت أدرس عند شيخ الكتاب /الشيخ المصري / بمنطقة الوراقة /باب جنين/ حيث باشرت في الخامسة من عمري تعلم أصول اللغة العربية ومخارج الحروف والنطق السليم ومبادئ التجويد من خلال حفظ القرآن الكريم متنقلاً بين الزوايا الدينية والصوفية التي تعلم الموشحات والقدود الحلبية إلى جانب الأغاني الدينية.
يتنهد قليلاً ثم يتابع: في المرحلة الابتدائية كان الأستاذ عبد الرحمن جبقجي يذهب إلى المدارس ليستمع إلى الأصوات الجميلة وينتقي منها فاختارني من بين هذه الأصوات وفي السادسة من عمري وقفت على مسرح دار الكتب الوطنية وغنيت (الورد جميل) للأستاذ زكريا أحمد ثم تعلمت الموشحات وأصول الغناء على يد الأستاذ عبد القادر حجار وأمدني الأستاذ عبد الرحمن المدلل (وهو كفيف) أستاذ اللغة العربية بأسلوبه الفريد في الغناء وأصول وقواعد اللغة العربية، ولفترة وجيزة تدربت على يد الأستاذ نديم الدرويش ثم التحقت بخدمة العلم وبعد انتهائها بدأت مرحلة أخرى من حياتي حيث تعرفت على الأستاذ عدنان أبو الشامات أستاذ الموشحات الدمشقية الذي دعمني وآزرني وتعلمت منه الكثير.
نادي شباب العروبة
يقول صفوان مستذكراً تلك الأيام: هو المكان الذي تتلمذت وتربيت فيه وبقيت أتردد عليه وأسترق السمع إلى أصوات الكبار وهم يؤدون الدور والموشح ولكن لم يقبلوا عضويتي في النادي إلا بعد سنتين من ترددي وذهابي ومجيئي. متابعاً: أنا الآن أدرس الغناء والموشحات في نادي شباب العروبة وأشرف على تدريب جيل جديد من الفنانين دون أن أتقاضى منهم أو من إدارة النادي أي مبلغ، ومن تلاميذي الكثير من الأصوات الشابة التي أثبتت نفسها في الساحة الفنية كشهد برمدا ومهند مشلح وبشير شمسي ونائل حزواني ووسام شمس الدين علماً أن معظم طلابي شاركوا في (ذا فويس وسوبر ستار) وحققوا مراكز متقدمة.
ـ إذاعة حلب الإذاعة الأثيرة لديه
في عينيه رحيل إلى عوالم بلا حدود، يقول صفوان: كان عمري 16 عاماً عندما غنيت في كورس إذاعة حلب العريقة التي تأسست عام 1949 وفيها تعرفت على العمالقة الكبار (محمد خيري وصباح فخري ومصطفى ماهر ومها الجابري) وفي عمر 17 عاماً كانت أول أغنية لي قدمتها في الإذاعة "مين يصدق يا زمان" لشاعر حمصي وهي من ألحان الملحن الحمصي شوقي القصاص.
ـ غناء الشارات والمشاركات في الدراما السورية
"روح النص تتلاقى مع الإحساس المناسب" يكمل حكايته ويتحدث: شاركت في غناء عدد من شارات أعمال درامية مهمة وفي بعض المشاهد ضمن المسلسلات، وكانت أول شارة غنيتها في مسلسل الزير سالم حيث غنيت الشارة الرئيسية في نهاية المسلسل أما الشارة الأساسية في مقدمته فأدتها مطربة غجرية أردنية وقد كان صوتها من أجمل الأصوات.
وغنيت شارة مسلسل (سيرة آل الجلالي) وصولاً إلى أهم هذه المشاركات في مسلسل "صقر قريش" حيث كان غناء الشارة للأستاذ صباح فخري لكن انشغاله وسفره إلى أمريكا حال دون ذلك فغنيتها لينال العمل نجاحاً كبيراً وأغلب الشارات كانت مع المايسترو طاهر مامللي وعملت أيضاً مع المايسترو "رضوان نصري" شارات مسلسلات (الحصرم الشامي، أولاد القيمرية، وطالع الفضة).
أما الشارة السورية العربية المشتركة التي تعتبر أهم شارة أديتها "تقني ـ ميوزيك" فقد كانت "صدق وعده" وهي عن الرسول الكريم (ص)، بينما القوة الموسيقية فكانت لشارة مسلسل (صقر قريش).
ـ وبالنسبة إلى الحالة التحضيرية لغناء الشارات والمقاطع الغنائية يقول: أنا الوحيد الذي يغني الصورة التعبيرية بصرياً، ويؤكد صفوان على قراءة النص أولاً وخاصة فيما يتعلق بالغناء داخل المشاهد ليتلمس روح النص وليضع الأساس المناسب حتى تخرج الموسيقا التصويرية والقطعة الغنائية متكاملة مع الأداء الدرامي، مبيناً أن هذا الأمر قد لا يراعى في بعض الأعمال فأحياناً تتم الاستعانة بمطرب كبير لغناء الشارة وبرأيه يتم ذلك لإخفاء ضعف في العمل إن كان في الإخراج أو في غيره فيُستغل اسم هذا الفنان لإخفاء الضعف الموجود في العمل.

ـ التحولات على مستوى الأغنية السورية
في القلب غصة، يصمت قليلاً ثم ....أعشق الأغنية السورية، والوقت الآن وقت عمل وليس وقت أمنيات ويضيف: الأغنية الحالية "مثل فورة الكازوز" سرعان ما تخبو لذا على المطرب السوري أن يجتهد أكثر وأن يهتم بصوته وبمخارج الحروف وأن يتأنى في اختيار اللحن والكلمة ويعرف ماذا يناسب صوته، مؤكداً أن النجومية يمكن أن تتحقق ولكن من الصعب الحفاظ عليها وحتى نحافظ عليها يجب أن نسعى إلى الأفضل دائماً وأكثر ما أدعو إليه الرجوع والعودة إلى الكلمة السورية الحقيقية متمنياً أن يعاد إطلاق مهرجان الأغنية السورية لأننا نعتز بسوريتنا ونرفع رأسنا بالكلمة السورية والأغنية السورية.
ـ مقومات نجاح وفشل الأغنية
بتلات ورد تتساقط على الأوراق البيضاء فيستطرد العابد قائلاً: إن للألحان والكلمات دوراً مهماً في نجاح أو فشل الأغنية ولكن هناك أيضاً الصوت الذي يوصل هذه الألحان والكلمات إلى المتلقي، ويختلف تقييم الأغنية باختلاف المتلقي بشكل عام. مشيراً إلى أنه لا بد من توافر وتضافر بعض العناصر لضمان نجاح الأغنية كسلامة الوزن والانسجام بين اللحن والأداء والصوت والعزف والتسجيل ..
وبتعليق ظريف قال عن أغنية الفيديو كليب: "حلوة وممتازة بشرط أن يظهر المطرب وليس الراقصات فقط" مشجعاً المبدأ إن كان يخدم الفكرة متابعاً: في النهاية المسألة مسألة ذوق مرتبط بالجمهور فليس بالإمكان إغفال الصورة والحركة التي يقدمها هذا النمط من الأغاني وشهرة الفنان التي تغطي العيوب الكثيرة للأغنية التي يؤديها.
. اللون الطربي والمدرسة التي تنتمي إليها
صفوان العابد يرفض تسمية مدرسة حلبية وهو ضد تسمية أي مدرسة باسم موسيقي فالكل أبناء المدرسة الحلبية ولكل منهم منهل خاص أخذ منه مع حرص كل فنان على المحافظة على شخصية منفردة وإبراز طريقته الخاصة.
ـ محاولات الحفاظ على التراث
يصرح صفوان العابد بأنه عاشق لهذا الفن التراثي الذي تعرض إلى محاولات لدفنه وقد تصدى لهذه المحاولات الفنان صباح فخري من خلال تقديم 14 جزءاً بعنوان (نغم الأمس) للحفاظ على التراث من الضياع والاندثار وأشار العابد إلى تجربته الشخصية المتمثلة في 14 جزءاً من "أنغام من الشرق" وكتاب "قطوف من التراث".
ـ المشاركات محلياً وعربياً
من رصيد مشاركاته ذكر لنا الفنان مشاركات له داخل سورية وخارجها ففي سورية شارك في مهرجان الأغنية السورية ونال أورنينتين ذهبيتين كأفضل لحن عن أغنية "فاتني بالهجر مغرم" لعدنان أبو الشامات وأفضل صوت عن أغنية أحلى الكلام ..
وشارك في مهرجان عاصمة الثقافة الإسلامية /2010/ وشارك مؤخراً في احتفالية حلب عاصمة الثقافة السورية /2019/ على مسرح نقابة الفنانين حيث كانت حفلته من أهم الحفلات التي قدمت في الاحتفالية ترتيباً وحضوراً.
وخارجياً شارك العابد في مهرجان الموسيقا العربية /15/ في دار الأوبرا الكبير في القاهرة حيث قابل الجمهور وصلة الطرب الحلبي التي قدمها بالتصفيق الحار والتفاعل الكبير وغنى مع أكبر مطربي مصر مثل: علي الحجار ـ مدحت صالح ـ مروة ناجي ـ آمال ماهر ـ هاني شاكر وغنى أيضاً على المسرح الوطني في قطر /2010/ مع السيدة فيروز وملحم بركات.
ذخيرته الفنية: كتب لحلب قصيدة غنائية "شدي حيلك يا حلب" ولحن لحلب "حلب بتسلم عليكم" من كلمات صفوح شغالة و(يا للي أمان .. آه يا زماني) .. وكم هائل من القدود والموشحات التي يتلو فيها صلوات العشق والغرام والغناء الصوفي والوجداني وهناك لحنان لنجيب السراج وسمير حلمي سوف يبصران النور قريباً. "وعد من صفوان العابد".
رقم العدد 15878