وليم عبد الله : " العناقيد الأخيرة " هاجس رافقني مذ انطلاق مشروعي التوثيقيّ للقصص البطولية والإنسانية في الحرب

الجماهير- بيانكا ماضيّة
"كانت لحظة خاطفة مرّت في ذهني عندما كنت أبحث في قصة هانيبال "حنبعل" الحقيقية، ولم أصل إلى أي تفصيل حقيقي، وعندما عدت إلى التاريخ اكتشفت أنّ الرومان قد وصلوا إليه في وقت كان يكتب حكايته ويوثقها، فأخذوا الأوراق بالكامل، ولم نعرف شيئاً عن تاريخه إلاّ من المعلومات التي نشرها الروم". هكذا يقول كاتب السيناريست وليم عبدالله حين تولّدت فكرة توثيق مجريات الحرب على سورية في ذهنه، إذ انبثقت من ضرورة صياغة التاريخ بصورته الحقيقية كما حصلت على أرض سورية، لا المزيفة، فالحرب بتفاصيلها المأساوية، والتي عاشها الأبطال الذين حاربوا دفاعاً عن الوطن، وكذلك أبناء الوطن الذين ذاقوا ويلات هذه الحرب، يجب أن ينبري لها كتّاب يدركون قيمة الكلمة وقيمة الحقيقة التي حاول أعداء سورية تغطيتها بوسائل عديدة، الكلمة التي تبقى في سجل التاريخ لتعرف الأجيال اللاحقة حقيقة ماجرى بكل تفاصيله الدقيقة.
وليم عبدالله كاتب قصة قصيرة وسيناريو سينمائي وإذاعي، يحمل ماجستير في الآداب قسم اللغة الفرنسية عن رسالة بعنوان " البُعد السينمائي في رواية العطر لباتريك زوسكيند: مقاربة سيميائية"، يحضّر حالياً دكتوراه في الآداب، قسم اللغة الفرنسية جامعة دمشق عن رسالة بعنوان "الاقتباس من الخطاب السردي إلى السينما ودوره في إعادة بناء المعنى"، وهو حائز على جوائز في القصة القصيرة على مستوى سورية والوطن العربي.مهتم بتوثيق قصص اجتماعية وإنسانية عن حالات فردية وجماعية حدثت في الحرب السورية، وهو معد ومخرج الفيلم الوثائقي "الحب والحرب" ومؤلف ومخرج بعض الأفلام القصيرة، وكاتب المسلسل الإذاعي " العناقيد الأخيرة" الذي يوثق القصص التي حدثت في الحرب السورية بشكل درامي.
كان هاجس وليم الوحيد مذ بداية الحرب توثيق البطولات على الصعد كافة، وأذكر حين كنت في مدينة اللاذقية فترة الحرب، أننا تحدثنا ذات يوم ضمن هذا الموضوع المهم، وكان يبحث عن جهة إنتاجية لتنفيذ العمل، ولفتني اهتمامه بالتفاصيل الدقيقة لتوثيق الحرب على سورية. في المرحلة الأخيرة كان الوحيد من الكتّاب الذين تابعوا قصة الشهيد (باسل قرفول) الذي حمى بجسده وروحه مدينة حلب في أثناء تحرير منطقة الزهراء من رجس الإرهاب، والتي تجاوزت حكاية المفخخات الأربع وحماية حلب؛ لتكون حكاية إفشال عملية إعلامية تركية.

(الجماهير) التقت الكاتب وليم وطال الحديث فكرة المسلسل الإذاعي (العناقيد الأخيرة) الذي يعمل عليه، ويتم حالياً إنتاجه في دائرة الدراما الإذاعية، سألناه عن تشكل فكرة هذا المسلسل، فقال:
فكرة العناقيد الأخيرة هي قديمة جديدة بنفس الوقت، هي ذاتها فكرة القصص التوثيقية السابقة وذاتها فكرة الأفلام الوثائقية لكنها بمرحلتها الحالية هي مسلسل إذاعي.
لم تتشكل هذه الفكرة بين يوم وليلة، بل هي هاجس رافقني منذ بداية الحرب في سورية وانطلاق مشروعي التوثيقيّ للقصص البطولية والإنسانية والاجتماعية في كل مفاصل الحرب، واليوم ترى الفكرة النور بعمل إذاعي تنتجه دائرة الدراما الإذاعية، وفي مرحلة لاحقة سيكون عملاً سينمائياً.
أما عن البداية التي لمعت أثناءها فكرة التوثيق في ذهنه ليتم تنفيذها إذاعياً، فيقول:
في الحقيقة كان من المفترض أن تكون البداية منذ عامين، لكن لم تكن الأفكار جاهزة لصياغتها في عمل درامي إذاعي، بالإضافة إلى أنّ هذا النوع من التوثيق هو صعب من حيث تنفيذه إذاعياً، لأن المهمة تكون ثقيلة نوعاً ما على الممثل والمخرج وحتى أنا ككاتب أواجه صعوبة في طرح الفكرة بأسلوب يكون سهلاً على المخرج؛ ليشكل تصوراً ذهنياً يمكّنه من قيادة الممثل بالشكل الجيد خلف المايك، وبالنسبة للممثل فيجب أن يمسك بين يديه نصّاً متماسكاً وسلساً حتى يتمكن من النجاح في إنجاز جزئه من هذه المهمة التوثيقية والتي هي تجسيد الشخصيات الحقيقة كما كانت عليه في لحظة حياتها.
بعد بحثه في قصة هانيبال وعدم وصوله إلى تفاصيل حقيقيّة، تم اتخاذ القرار في الاتجاه نحو التوثيق، ويقول:
من ذلك النقص الموجود في قصة هانيبال عرفت أهمية التوثيق، ولمّا بدأت الحرب على سورية، انتبهت إلى أنّ التوثيق شبه معدوم وهنا تذكرت هانيبال، فأخذت عهداً على نفسي أن أقوم بهذه المهمة، وفعلاً كانت البداية في عام 2012 وبدأت القصص كتابةً ونشراً على الفيسبوك حتى انتشرت إلى مواقع عربية، لست بمطلع عليها جميعها، والآن هي موجودة في كتاب ورقي وآخر قيد التحضير له، وتميّز التوثيق في قصصي بموضوعية الطرح وعاطفة الأسلوب كي يكون قريباً من وجدان القارئ وممتعاً له.

نسأله عما إذا كان هناك شيء من الخيال في مسلسل (العناقيد الأخيرة)، وأبرز عناوين الحلقات التي تم تسجيلها، فيقول:
هذا المسلسل توثيقي/اقتباسي، بمعنى أن القصص المذكورة فيه هي قصص حقيقية حدثت في الواقع، ولا يوجد أي تغيير في حقيقتها، وبالنسبة لحالة الاقتباس التي وصفت المسلسل بها، هي نوع أدبي ضروري في الدراما، وذلك من أجل صناعة قصة قابلة للنقل إلى شاشة السينما أو إلى أثير الإذاعة. وللتوضيح أكثر، فالقصة التي تحدث في الحرب لا يمكن أن تنقل بحذافيرها إلى العمل الفني، فأنا لا يمكن أن أذكر كل الشخصيات الموجودة في المعركة على سبيل المثال وإلاّ سيكون الوضع كارثياً في حالة الإنتاج بالإضافة إلى أنّ المستمع سيدخل بمتاهات فك شيفرة القصة لأنها ستغرق في فوضى قصصية من شأنها تشتيت المستمع وإقصاؤه عن متابعة عمل كهذا، وبالتالي تذهب الحكايات أدراج الرياح وتكون مهمة توثيق الحرب معرضة للفشل.
أما عناوين الحلقات التي تم تسجيلها، فيقول: الحلقات في مسلسل العناقيد الأخيرة لا تحمل عناوينَ معيّنة، وإنما هي قصص عن أشخاص استشهدوا في الحرب السورية، وتحوي قصصهم تفاصيل إنسانية وأعمالاً بطولية تستحق التوثيق، فمثلاً أنجزنا حلقة عن الشهيد باسل قرفول الذي دمر المفخخات الأربع، وجنبّ حلب كارثة إنسانية ومجزرة بحق أبنائها لا ينساها التاريخ لسنوات عديدة. وفي حلقة أخرى تحدثنا عن العمل البطولي الذي قام به نزار حسن وزوجته ميسون محلا وولداهما كريم وبشر عندما فجروا أنفسهم، ولم يسمحوا لإرهابيي جيش الإسلام أن يتمّكنوا منهم، وكذلك قصة مطار تفتناز.
وعما يفتقر إليه في عمله التوثيقي هذا، ويحتاج إلى جهات داعمة لتساعدك فيه،يقول: أفتقر في العمل التوثيقي الى الدعم الانتاجي ، وهذه المشكلة شبه عامة في الوسط الإعلامي والسينمائي، إلاّ أنّ فرصة الحصول على الدعم الجيد في العمل الوثائقي تبقى أقل من غيرها وذلك لسبب بسيط يتعلق بالفروقات بين الوثائقي والدرامي، هذا السبب يكمن في تسويق الأعمال المنجزة وبيعها وهنا لا يتشجع المنتج على دفع أمواله لعمل وثائقي لا يجلب له الربح الكبير، وفي الوقت نفسه فإن الموضوع الذي أقوم على توثيقه هو إنساني يتعلق بالحرب السورية وهذا الموضوع لا يمكن أن يلقى دعماً إلاّ من أشخاص وطنيين ، أو من جهة حكومية، في حين يغيب الداعم الخارجي بشكل كامل لارتباطه بسياسات بلاده المناهضة لبلادنا.

وفي نهاية حوارنا قال وليم موجهاً شكره لكل من يعمل معه: أتوجه بجزيل الشكر لكل من يعمل في هذا المسلسل بدءاً بالمخرج جمال العقاد الذي يغني الحلقات برؤيته الإخراجية التي تتناسب مع مواضيع الحلقات واهتمامه بإخراج القصص بالشكل اللائق، وبما يتناسب مع حساسيتها، وأهميتها الإنسانية والبطولية. كما أتوجه بالشكر للمخرجين المنفذين فراس محمد، وحمدي شويكي للجهود التي يبذلانها في سبيل إعطاء الحلقات قيمتها الحقيقية لاسيّما وأنّ هذا المشروع إنساني بالدرجة الأولى وضروري للتأريخ بالدرجة الثانية. كما أشكر كل الممثلين الذين يعملون في هذا المسلسل ويلعبون أدوارهم بمنتهى الحب والحرفية في تقديم الأفضل، وهذا ما يعطي الحلقة روحاً وجمالية تليق بها.
وفي النهاية أشكر المخرج باسل يوسف مدير دائرة الدراما الإذاعية لاهتمامه بهذا المشروع ودعم فكرة أن يكون في الدراما الإذاعية مشروع توثيقيّ للتفاصيل الإنسانية التي حدثت خلال الحرب على سورية.
رقم العدد ١٥٩٧٦