(الجغرافيا اللاهوتية) محاضرة للدكتور حليم أسمر في النادي العربي الفلسطيني

 

الجماهير- بيانكا ماضيّة

لم هذا العنوان تحديداً؟! وماهي الجغرافيا اللاهوتية؟!
في محاضرة أقامها النادي العربي الفلسطيني، استضاف فيها الدكتور حليم أسمر متحدثاً عن الجغرافيا اللاهوتية، مشيراً إلى أن محاضرته هذه تتناول دراسة قام بها سابقاً، وتحمل عنوان (الجغرافيا اللاهوتية وإسفين بول ريكور). هذا وقدم للمحاضرة محمود علي السعيد رئيس النادي وقد تم في البداية عرض فيلم تتناول سيرة الدكتور أسمر وأبحاثه ونشاطاته وإسهاماته الفلسفية والتربوية.
وتوقف د. أسمر في البداية عند "بول ريكور" هذا الفيلسوف الفرنسي، مؤكداً أنه أحد فلاسفة أوروبة القلائل، ممن ينتمون إلى أرضيّة حرة، وفلسفته هي التأويل أو التفسير. وقد عدّ فيلسوف القرن العشرين، ولد عام 1913، وتوفي عام 2004. وهو فيلسوف ذائع الصيت، ومن أهم مؤلفاته: "الزمان والسرد"، "الذات عينها كآخر"، "الذاكرة والتاريخ والنسيان" مسألة الشرق" ،"حيّ حتى الموت"، "محاضرات في الفينومينولوجيا واليوتوبيا"، "الوجود، الماهية، الجوهر" و"صراع التأويلات" "بعد طول تأمل" وغيرها.
وأشار د. أسمر إلى أن هذه المحاضرة تعود إلى العام 2004 حين زار جمهورية مصر العربية، إذ أُهدي بعض الكتب، ومنها: مجلة"أوراق فلسفية" التي تصدر عن قسم الفلسفة بجامعة القاهرة، فعثر في أحد الأعداد على نصّ بعنوان (ارتباك في إسرائيل) كتبه بول ريكور رداً على "أندريه نهيّر" الذي يعدّ حاخاماً وفيلسوفاً يهودياً، ولد في إحدى بقاع فرنسا وتوفي عام 1988 في القدس. مشيراً إلى أن ريكور ردّ عليه من موقع علاقة الجغرافيا باللاهوت، وعلاقتها بالزمان والمكان، وقد ترجمت هذا المقال إلى العربية الباحثة المصرية منى طلبة، وتقول فيه: إن الفيلسوف الفرنسي المعاصر ريكور هو أحد أبرز أعلام مدرسة التفسير في العالم، تجلى الأمر من خلال دراساته وقراءاته للأسطورة والكتاب المقدس، والنصوص الأدبية الأخرى. هذا يعطيه ويقدمه لمكانة مرموقة في الفلسفة المعاصرة، واهتم كثيراً بالقضايا السياسية، وأية قضايا؟! القضية التي شغلت النصف الثاني من القرن العشرين، قضية العرب الكبرى، قضية فلسطين، في وقت مبكر من حضورها على المسرح الدولي، إذ خصّها بمقال يعود إلى عام 1958، وقلّ من تصدى من الأوروبيين هذا التصدي الأدبي النقدي التأويلي لمقال أو لدراسة من الدراسات!.
ثم ينتقل د. حليم إلى مقال ريكور الذي يقول عنه: إن فيه الكثير من الأسس التي لو روعيت أو تم الانتباه إليها لما حدث ماحدث!.
ويشير إلى أن ريكور يتناول في مقاله هذا قضية الصراع العربي الصهيوني منذ نشـأته أو حتى قبل هذه النشأة، وأنه من موقعه كفيلسوف غربي مسيحي، يعبر عن قطاع، ولو محدود، من المفكّرين الأمناء الحريصين على اتخاذ موقف فكري إنساني متماسك وصادق مع النفس. ويشبه كثيراً في موقفه هذا الفيلسوف والشاعر الفرنسي (غوته) في موقفه من الشرق ومن قضاياه.
فـ"ريكور" لم يهادن أحد رغم الديماغوجيّة التي كانت سائدة في ذلك الوقت، وغير مستجيب لجماعات الضغط التي كانت موجودة في أوروبة.
ثم يتحدث د. حليم عن مقال أندريه نهيّر الذي يشرح فيه الوجود السياسي لإسرائيل من خلال المصير ذاته للشعب اليهودي، أي أن أندريه نهيّر يدعو إلى الوقوف على المعطيات الجوهرية للواقع الإسرائيلي من خلال إمعان النظر فيما وراء المعطيات العارضة لهذا الواقع.
مشيراً إلى أن هذه المعطيات العارضة حسب وجهة نظر أندريه نهيّر، هي الروح العملية والعقلية البطولية لإسرائيل المعاصرة والمحكوم عليها، في ظل ظرف الهجرة المكثفة، والدولة شبه المعاصرة والمهددة يوماً بالفناء المادي، بأن تغدو هجيناً من النزعة الأمريكية والنزعة الاشتراكية آنذاك. محكوم عليها بصفة خاصة وذلك حرصاً على الحق وعدم تحميل العرب ذنباً لم يرتكبوه.
ويؤكد أن هذا المقال المبكر يأخذ الصفة الاستشرافية، أي ماسوف يتم لاحقاً، وكيف وإلام ستتطور الأحداث لاحقاً. والمراد منه الإطاحة باستقرار المنطقة بالكامل، أو جعلها مولدة لأفعال لاتنبئ بالاستقرار الدولي أو قد تؤدي إلى زعزعة العالم بأسره من خلال الحروب المنتظرة والمتوقعة من هذا القديم الذي زرع. وأنه- أي المقال- يستشرف ماحدث في عام 1967 وماجرى بعده من أحداث حتى الآن.
ويؤكد أن أندريه نهير في مقاله هذا يناقش كل ماحدث ويحدث في تلك الفترة، من خلال الحدث الطارئ، إذ هو الحدث الطارئ وليس الجوهري. وأن هذا الأخير سينتهي بشكل أو بآخر بتعايش عربي إسرائيلي ممكن!حسب رأي أندريه.
فيتساءل ريكور: علام يتوهم أندريه نهيّر أن يبنى هذا التعايش؟! أعلى حساب الأرض أم على حساب اللاجئين العرب من فلسطين الذين كانوا بالآلاف واليوم بالملايين؟! كما يتساءل: هل يحق لنهيّر أن يطمح بالوصول إلى المعطيات الجوهرية من خلال هذه المعطيات الطارئة؟! وما يؤكد عليه نهيّر أن هناك ماهية تصلح وحدها للتعريف بالوجه الحقيقي والدائم للكيان الإسرائيلي، وهذه الماهية هي وحدها اي تدعونا إلى الحكم وتمكننا منه.
ويشير د. أسمر، أنه هنا يتدخل ريكور ليقول وبلسان شجاع لم ينطق أحد به حتى الآن على الأقل أوروبياً: "هذه الماهية تربط مصير إسرائيل بالأرض، أرض مقدسة هي فلسطين، بعد أن فُرق الشعب الإسرائيلي في العالم، وهذا النفي جعل من المكان ظاهرة عالمية، والنفي إلى العالم انطلاقاً من فلسطين جعلها مركزاً للعالم وبهذا لم يكن لإسرائيل من أساس إلا الجغرافيا اللاهوتية، يلتقي بها المطلق بالأرض، وهذا المصير المتلاحق والملتحم بأرض موعودة يجعل من الكيان الصهيوني شيئاً آخر.. غير كيان، غزو صليبي أو مستعمر أو إفرنجي، أو سكان أصليين متمردين.. وتغدو إسرائيل كيان الصعود والعودة والالتقاء والتجمع وإعادة التكون والتشكل في مساحة تناسب الزمن الذي يسخّره الكيان الصهيوني المشتت لصالحه.. وبهذا الأمر يطرح أمام غير الصهيوني سؤالين: أولاً إن الماهية المنسوبة لجماعة مختارة والتي يشكلها مجموع اليهود المشتتين ويهود إسرائيل، هل من الممكن أن تعترف بها بقية الجماعات وبقية البشر؟! هذا التساؤل يهمنا أكثر من غيره، لأن مسألة الاعتراف تحتاج إلى ركائز أهمها حق الشعب بالأرض التي عاد إليها.أي أن السؤال: هل أنت في غابر الأزمان كنت في هذه الأرض، هذه الأرض يسكنها شعب متجذّر فيها، وهذا الحق غير متوافر على الصعد كافة. هذه الحقوق اغتُصبت من أهلها وسكانها الأصليين، وإذا كان من اعتراف عالمي فهو انحياز وليس اعترافاً، هذا الانحياز يوجّه ضد السكان الأصليين".
والسؤال الذي يطرحه د. أسمر: يخطر على الذهن القلِق في بداية الألفية الثالثة سؤالان: ما الدوافع والكوامن التي حدت ببول ريكور بأن يتوجه هكذا توجّه وفي مستهل حياته الأكاديمية؟! لماذا مشى ريكور بعكس التيار؟! مؤكداً أن هذا الفيلسوف ينطلق من وقائع ومن طبيعة وعي وشجاعة وعلى مستوى راق جداً.
ثم يشير إلى الأسئلة الجوهرية التي يطرحها ريكور، ومنها: هل الاعتراف يؤدي إلى حلّ سياسي لهذه الصراعات التي عرضت على أنها معطيات طارئة من قبل "نهيّر"؟! وما الذي يعنيه تفرّد اليهودي على المستوى الوجودي من بين بقية الشعوب؟! أين حضور الوعد الإلهي لهذا اليهودي؟! ولماذا فُرّط به؟! وإذا وُجد هذا الوعد لماذا فرط به على مدى السنين؟! إن التفريط به يبرر الديانتين التوحيديتين المسيحية والإسلامية، ومن موقع التوحيد ومن معناه المنفتح الأصيل. ويؤكد أن التفرّد الماهوي اليهودي يلغيه الانفتاح الماهوي التوحيدي مسيحياً وإسلامياً. هذا هو الاختلاف الجذري بين يهوه المنغلق والإله التوحيدي المنفتح على العالم، والذي قدّم نفسه لصالح الإنسانية جمعاء. ماذا يعني أن يكون هناك شعبٌ مشتتٌ يعدُّ نفسه منفياً إذا وجد في أي مكان آخر خارج فلسطين، ولايعرِف نفسه كشعب إلا مرتبطاً بأرض؟!
ويؤكد أسمر أن هذا التساؤل "الريكوري" يحيل القضية من جديد إلى محراب التاريخ، محراب الحق والباطل، وما تجليه المعرفة للنفس أو الذات من خلال الأرض... وأي أرض؟! أرض شعب آخر يُمارس عليه الآن كل أنواع الانتهاك والطرد والإبعاد والإنهاء والهدم، وحرمانه حتى من شروط الحياة البسيطة ومكوناتها الأولى.
ويؤكد د. أسمر أن الأمر الذي ينعشه شخصياً هو طرح هذه المسألة العويصة من فيلسوف كبير ولايكتفي بطرحها، إنما يشكك بزيف طريقة طرح المشكلة بالنسبة لغير الصهيوني أو اليهودي. والطرح يتم من خلال تقديم المشكلة بوصفها حقيقة مطلقة. وعلى هذا المستوى التأويلي، يؤكد د. أسمر، أن ريكور يصل للقول: "طرح المشكلة بهذه الصورة يجعلها غير قابلة للحل لأية إجابة متفق عليها، لماذا؟! لأن هذه الماهية بالنسبة لنا جميعاً، غير الصهاينة واليهود، ماهي إلا أسطورة".
ويشير إلى أن ريكور عندما يتفوّه بقول كهذا تبدو القضية وقد أفُلت عن مسرح الواقع وحيوية الحلّ، وغدت القضية من الماضي عبر علم الأسطرة، أو علم الأساطير، أو قد يكون الأمر مختلفاً عند الآخر المسيحي مثلاً، فجبل صهيون ليس فلسطين، وليس مملكة من هذا العالم كما يدّعي الصهيوني، فالمعنى الحرفي لكلمة الأرض الموعودة تلغيه رمزية مكان غير جغرافي.
وقد أكد د. أسمر أن الجغرافية اللاهوتية هي مرحلة متجاوزة ألّفها التاريخ الروحي المتطور لأنبياء اليهود أنفسهم، وبهذا أيضاً فإن الماهيّة المؤسّسة للوجود الإسرائيلي ليست ماهية مؤسسة لوجود المسيحي، لأن ماهية المسيحي والتوحيدي بشكل عام تختلف عن هذا التأسيس لهوية غيرهما، ولا أستطيع، كما يقول ريكور، أنا المسيحي أن أفهم لماذا اليهودي وحتميته؟! وحتى لا أستطيع أن أتعاطف معه من موقع حضوري المتخطّي لحرفية شريعته ومن ثم حياته المغتمة، الحزينة، والأرضية الأهداف. ومن هذا المستوى يغدو المسيحي/ المسلم يعيش برجاء حياة جديدة، ومن هنا يقبل على الحياة من موقع إيمانه برسالة الإنسان في هذا العالم.
هذا وقد كانت هناك مداخلات من قبل الحضور تحدث أغلبها عن بطلان أحقيّة الكيان الصهيوني بأرض فلسطين انطلاقاً من الجغرافية اللاهوتيّة، وأحقيّة الشعب الفلسطيني بها.
رقم العدد 15980