من رواية تكتب!

الجماهير - بيانكا ماضيّة

أهذه بدايةٌ أم امتدادٌ لزمن مضى؟!
كيف أجد وصفاً معقولاً للبداية؟! هل أصف البداية أم الحكاية؟! وهل في هذا اللامعقول وصفٌ معقول؟! ابتدأت الحكاية بصورة تطلّ من عمق الكون، من خلف المسافات راحت ترسل بريقَها الشفاف، تنادي علي بكلام تسلسلت حلقاتُه لتشكل سبائك ذهبية، كلامٍ ليس كالكلام، في زمن يطوف فيه الكثير من البدايات في دمي، تنادي علي بهمسات وضحكات، وبمواويل منسوجة على قدر عالٍ من شوقٍ.
واستوقفتني الصورة؛ لأرى ماتحمله لي من حنين إلى عهدٍ يعود إلى ماقبل الذاكرة، ذاكرة الأشياء والأرواح والكائنات.
كأنني كنتُ على بعد خطوةٍ منها، أكانت ترسل إلي إشعاعاتِها؟ ولم أكن أعلم من أين يأتيني البريق! وأطلتُ النظر في التفاصيل، وما إن تحركت الدنيا حتى شهق قلبي وراحت دقاتُه تضطرب سرعةً وبطئاً، سكوناً وحركة، كل المتناقضات أحسستُ بها في تلك اللحظة، حرّاً وقرّاً، جنوناً ووقاراً، وقوعاً وطيراناً، وغامت الأشياء في ذاكرتي؛ لتعلن مولداً ينبثق من خلف النور، من خلف ذاك البهاء المشع في طلتها، وسرت في أصابعي برودةٌ تقول للدم: انصت لنرَ الحكاية! وما كنت أعلم أنها حكاية ستطول بي في هذا الشتات، كنت أهتزّ كلياً، كأنني انفصلت عن المكان والزمان، ولم يعد بيني وبينهما أية صلة، إلى أي زمن عادت ذاكرتي؟!
****
وعدتَ ... أخيراً عدتَ، كنتَ ساكناً في أعماقي منذ الأزل، كأنني كنت أفكر بإعصارك الذي سيطوح بي، سيقتلعني من جذوري، من قال إن الإنسان بلاجذور؟! ورحت أنتظر ما الذي سيفعله الغبار والماء، واستشعرتُ هذه العودة المباغتة المفاجئة المقبلة من الأعماق، ولكن أدهشني اللحن المسافر في كل الأزمان. تركت الأشياء وتبعت حركاتك، كل حركة فيها كانت تشي بوعد، بعهد جديد لايكتبه بشرٌ، تلوح بإشارة إلى المجهول، إلى الغامض في عالم تسوده الأسرار، تلك أمور أفهمها كأنها تصلني من وراء الغيم.
وكان صوتُك واضحاً منمّقاً، صوت القصب المبحوح الذي أضناه اقتطاعه من أصوله، ومن وجهك تنبعث ذبذبات العطر المسكوب على الرخام.
عدتَ في زمن البكاء والشرود والتأمل وانتظار الآتي، زمنِ الهروب من هذا العالم، لمَ تأخرت؟! لمَ كل هذا الهدر من الزمن؟!.
"لاتقلقي" همستَ في أذني، واثقٌ أنت من كلامك، وأنا يعصف بي الزمان، وأسمعتني الألحانَ كأنك أنت الذي دوّن علاماتِها في زمني، أسمعها ورجعُ صداها في خاطري يشقُّ عبابَ الأمس، يا له من كونٍ رائع هذا الذي أدخلتني في مجراتِه، وسبحت معي في فضائِه، أنجمان هاربان من مدار العشق نحن، أم كوكبٌ يدور حول نفسِه إلى اللانهاية؟!.
رقم العدد ١٦٠٩١