النحات نداف " للجماهير " : أعمالي صرخة في وجه الواقع ... و"صرخة جماجم الشهداء" عمل لفضح ممارسة الاحتلال الفرنسي

الجماهير - أسماء خيرو

بين أعماله التي تُجسّد صرخات احتجاج ، وتعكس مآسيَ وطنٍ؛ لتسمعك الأنين الخافت الممزوج بومضات أملٍ برّاقٍ، وفي مرسمه البسيط المعالم الذي يُشعركَ بوجودِ فنّانٍ حاذقٍ ،ما يشغله قضايا أمته، كان اللقاء بالنحّات عبد الحميد ندّاف الذي أبدع منحوتة الشاعر المتنبّي في ثمانينيات القرن الماضي؛ ليُحدّث الجماهير عن مشواره الفنّي.
قال الفنّان ندّاف قبل أن نبدأ الحوار معه: لم أتصوّرْ أنّي سأعود لأعيشَ مع الرسم بعد غياب ثلاثين عاماً، ولأنّ الفنّ يعيش في داخلي، ويسري في دمي، كان لابدّ من العودة، وشاءت الأقدار أن أعود، وهأنا أعود من جديد.
والجماهير تقول لك: " والعود أحمد "، والآن لنبدأ الحوار عن مسيرتك الفنّيّة.
*لابدّ لكلّ رحلةٍ في الحياة من بدايةٍ، وأنت بدايتكَ كانت أكاديميّة؛ أيْ على أُسُسٍ علميّةٍ، ما أريده منك أن تحدّثني عن الشخص الذي أثّر فيك حتّى اتّخذْتَ قرار دراسة النحت والرسم أكاديميّاً.
الذي أثّر فيّ، وجعلني أعشق الفنّ وأتّخذُ قرار الدراسة الأكاديميّة هو أخي رحمه الله، إذ كان رسّاماً، لقد تأثّرْتُ به، وبأعماله منذ أن كنتُ صغيراً.
لذلك في البداية واظبْتُ على الالتحاق بدوراتٍ في مراكز الفنون التشكيليّة في الرقّة.
وأنا هنا أتكلّم على مدينة الرقّة؛ لأنّي قضيْتُ طفولتي وشبابي في الرقّة، ولكنّي من مواليد حلب - مدينة تادف، وبعد أن أنهيْتُ تعليمي الثانويّ انتسبْتُ لمعهد الفنون الجميلة في الرقّة وتخرّجْتُ منه بتفوّقٍ، وقد كنْتُ من الأوائل على دفعتي، فعملْتُ معيداً في معهد الفنون الجميلة.
نشاطي الفنّيّ استمرّ من عام ١٩٨٠ حتّى عام ١٩٨٨م، إذ كانت أعمالي جلُّها نحتيّةً في ذلك الوقت، وقد شاركْتُ بها في العديد من المعارض على المستوى المحلّيّ والعربيّ، ومن أعمالي التي شاركْتُ بها: (طفل الانتفاضة، فطير صهيون، أبو الطيّب المتنبّي الذي اختيرَ في عام ٢٠٠٦ ليكون في متحف بيت المتنبّي في حلب، ومن ثَمّ وُضِعتَ نسخة أخرى في مديريّة الثقافة، وبعد عام ١٩٨٨ شاءت الظروف أن أترك الفنّ والنحت، وأسافرَ إلى أوروبا.

*يُقال: إنّ للسفر فوائدَ عدّةً، وبما أنّكَ سافرْتَ إلى أوروبا، وكلّنا يعرف ما تعني البلاد الأوروبيّة، وخاصّةً للفنّان أو الرسام، ما الفوائد التي جنيْتَها على الصعيد الفنّيّ بسفرك إلى هناك؟
أنا لا أخفيك قولاً، ذهابي لأوروبا كان لأجل العمل، لا لأجل الفنّ، لذلك الفائدة التي جنيْتُها من سفري هي زيادة الخبرةِ في الحياة، ولكنّي على الرغم من ذلك لم أوفّرْ وقت فراغ إلّا واستثمرْتُه في النحت، وفي زيارة المعارض الفنّيّة أو المتاحف، كما كنت حريصاً كلَّ الحرص على الاطّلاع على الأعمال الفنّيّة لعظماء الفنّ التشكيليّ.

* قلتَ: إنّ النحتَ كان البداية، من أين كنتَ تستوحي موضوع منحوتاتك؟ وما المادّة الخام التي كنتَ تتعامل معها؟ وكيف يستطيع الفنّان أنْ يحوّل المادّة الخام _أيّاً كان نوعها_ إلى موضوعات تتكلّم، فيها روحٌ و حياةٌ؟
مواضيعي كلّها مستوحاةٌ من الواقع، إذ كنْتُ أنحت وجوهاً لشخصيّاتٍ كثيرةٍ، مثل: (سقراط، المتنبّي، عبد السلام العجيلي، وغيرهم)، بالإضافة إلى منحوتات مستوحاة من فكرةٍ: (كفطير صهيون، طفل الانتفاضة). والمادّة التي أطوّعها لتخدم الفكرة، أو الموضوع أو الشخصيّة هي الصلصال، هذه المادّة سلسة وسهلة التشكيل، يستطيع الفنّان أن يطوّعها كما يشاء كي تخدمَ الهدف المرجوَّ منها.
أمّا عن كيفيّة استطاعة الفنّان أنْ يجعلَ المادّة الخام تتكلّم! باعتقادي هذه المقدرة لا يمتلكها إلّا القلائل؛ لأنّها موهبةٌ من الله.

* ما الذي جعلك تترك النحت وتتّجه نحو الرسم؟ وما أسباب عودتك بعد ثلاثين عاماً إلى الفنّ التشكيليّ؟
في الحقيقة ترك فنّ النحت كان بسبب ظروفٍ خاصّةٍ جداً، لن أتحدث عنها الآن، ولكن سأخبركِ عن سبب عودتي للفنّ ..
عودتي سببها أطفال الحيّ الذي أقطنه، أردْتُ أن أقدّمَ لهم شيئاً يُنسيهم ما تعرّضوا له من مآسٍ على يد المجموعات الإرهابيّة، لذلك بدأْتُ أرسم لهم، وأعلّمهم كيفيّة الرسم؛ ليُعبّروا عمّا في دواخلهم من آلامٍ، وفي الوقت نفسه أخلق لهم الجوّ المناسب كي ينشغلوا بالفنّ عن كلّ ما يحصل في سوريّة، وبالفعل أصبح الأطفال في كلّ يومٍ يأتونَ إلى بيتي كي أعلّمَهم الرسم.
وهكذا إلى أن عدْتُ تدريجيّاً إلى الفنّ، وبدأْتُ أرسم لوحات فنّيّة من الواقع، تُعبّر عن الأزمة، وما جرى في سوريّة، وهناك إحدى لوحاتي استوحيْتُها في يوم المرأة العالميّ من قصيدةٍ (فيتو امرأة) للشاعر أحمد كركوتلي.

* لماذا أعمالكَ كلّها من الواقع؟ وما دلالة المرأة في لوحاتك؟ وهل تقوم بالتحضير للفكرة قبل أن ترسم أو أنّ الإلهام يأتيكَ فجأةً؟
حقيقةً، الواقع هو ما يشغل تفكيري، وخاصّةً بعد ما مررنا به في سنوات الحرب، وبما أنّ الفنّ بالنسبة لي رسالة فقد أردْتُ من خلال أعمالي تسليط الضوء على الواقع كي أوجّه رسالةً للعالم كلّه أن أوقفوا المؤامرة على بلادي، فأعمالي أعتبرها صرخة في وجه كلّ من تآمر على سورية.
والمرأة دلالتها في جميع أعمالي الأرض والقوة والأمل، فأنا أركّز عليها كفكرةٍ لها دلالتها الرمزيّة والإيحائيّة، وليس كسلعة، فهي التي تعذّبتْ، وتألّمتّ أكثر من الرجل، وخاصّةً خلال سنوات الأزمة، لذلك لم أهدف إلى إظهار جمالها كما فعل فنّانو عصر النهضة في أوروبا.
أمّا بالنسبة للفكرة فالإلهام لايأتيني فجأة، أنا أقوم بالتحضير للفكرة مسبقاً، وأحياناً يستغرق التحضير للموضوع عاماً كاملاً، فأنا أقوم بقراءة شاملة عن الموضوع الذي سوف أرسمه ثمّ أبدأ بالتنفيذ، فأيّ عملٍ _كي يتمّ على أكمل وجه_ يحتاج إلى ثقافة واسعة، من قراءة الكتب أو مشاهدة الفيديوهات، وسأحدّثكِ عن عملي "صرخة جماجم الشهداء " كيف حضّرْتُ له وأنتجْتُه!
اللوحة أنتجْتُها بعد أن شاهدْتُ فيديو لمتحف الإنسان الموجود في فرنسا، هذا المتحف مليء بجماجم الثوّار، ومنهم جمجمة الثائر البطل الشهيد سليمان الحلبي الذي قتل الجنرال الفرنسي كليبر، خليفة نابليون في حملته على مصر، وقضى نحبه بعد أن مُثّل بجثّته، لذلك رسمْتُ العمل كي أطالب بعودة جمجمة البطل الشهيد سليمان الحلبي إلى سوريّة، وكي أفضح ممارسات المحتلّ الفرنسي الذي يدّعي الديمقراطية، وأطالبهم بالاعتذار عن جرائمهم الوحشيّة، فهذا المتحف يُعدّ إهانة لرجال المقاومة، وثوار الوطن العربيّ، حيث يوجد في المتحف مايقارب ال ١٨ ألف جمجمة تتباهى فرنسا بعرضها، والكثير منها لثوّار الجزائر.

*الرسم إحساس، عندما تمسك الفرشاة كيف ترسم بما تحسّ؟ وما الذي يدلّك على أنّ هذا هو اللون المناسب؟ وما دور الفنّ؟ ولماذا وظيفته تقتصر على أن يعرض الفكرة لا أن يقدّم الحلول؟

من المؤكّد أنّ الرسم إحساس، وعندما أمسك بالفرشاة أشعر بالسعادة الغامرة؛ لأنّي أستثمر وقتي بما هو مفيد، فالأزمة جعلتني أتوقّف عن كلّ شيء، فأصبح الفراغ كبيراً، وكنت أشعر بأنّي أختنق، ولكن الآن بعد أن عدْتُ للرسم أحسّ بأنّ روحي عادت لي، وأشعر براحة نفسيّةٍ؛ لأنّي أشارك من خلال رسوماتي بالدفاع عن وطني.
ومعرفة اللون المناسب تأتي من الخبرة الأكاديمية، فاللون علمٌ له تكنيك خاصّ يستعمل في اللوحة، وأنا أستخدم اللون الأزرق في معظم لوحاتي كي أكلّم الناس بلغة التفاؤل وعدم الاستسلام.
أمّا عن دور الفنّ فله دور كبير، فهو يثقّف ويهذّب النفس الإنسانيّة، ويتكلّم مع الآخر بصمت، ويعرض المشكلة من جميع الزوايا، لكنّه لايقدّم حلولاً؛ لأنّ الفنّ يلعب دور التحريض أكثر من إيجاد الحلول. فأعمالي( التائهون في الأرض، والتيه، والمستغيثة، والنهوض ) كلّها ليس فيها حلٌّ، فهي تحكي قصّة وطنٍ مستعرضةً معاناة كبيرةً من خلال مشاهدَ واقعيّةٍ جسّدتها بلغةٍ صامتةٍ يفهمها العالم بأجمعه، ولقد عملْتُ على نشرها على مواقع التواصل الاجتماعيّ؛ كي أُطلِع العالم على ماحصل للشعب السوريّ، وأنا برأيي الحلول تُوجد عندما يقرّر الإنسان أن يتحدّى ظروفه ويعمل، لا أن يقف ويبكي على ماجرى، فالإنسان محكوم بالأمل، عليه أن ينهض وينفض غبار الحزن والألم عنه، حتّى يكون قادراً على الاستمرار في أحلك الظروف.

* والآن، كفنّانٍ، ما مشاريعك المستقبليّة؟ وإلامَ تهدف منها؟ وفي سطور ماذا تريد أن تقول ككلمة أخيرة؟!
مشروعي المستقبليّ هو إعادة فتح ورشة للأعمال النحتيّة، والهدف من مشغلي هذا، فنّيٌّ، ثقافيٌّ بالدرجة الأولى، حتّى تستفيد جميع الناس من هذا الفنّ، بالإضافة إلى هدف آخر، ألا وهو أن أحوّل لوحة "صرخة جماجم الشهداء "لعمل نحتيّ، حتّى أظهرَ للعالم مدى وحشيّة وبشاعة هؤلاء الذين ينادون بحقوق الإنسان والديمقراطية، وهم بعيدون كلّ البعد عمّا يدّعون.
وكلمة أخيرة أتمنّى من الناس أن يواظبوا أكثر على حضور المعارض والفعاليّات الثقافيّة، وأتمنّى منهم ألّا يخافوا، فالخوف هو أكبر عائق للإنسان.
كما أطالب كلّ فنّانٍ وشاعرٍ ومثقّفٍ وأديبٍ أن يحاولَ مساعدة الشعب السوريّ للخروج من أزمته؛ لأنّ المثقّف معنيٌّ اليوم أكثر من غيره بالوقوف إلى جانب أبناء وطنه، وذلك من خلال تسليط الضوء على ماحدث في سورية كي يعرف العالم بأجمعه الحقيقة، وبذلك يقدّم الدعم المعنويّ والروحيّ لوطنه وأهله.
رقم العدد 16132