الشباب والثقافة العلمية

الجماهير / ناديا اسعيَد

سمعنا كثيرا عن أعمال قائمة على الخيال العلمي سواء كان في الأدب أو في السينما وقد دأب صناع هذه الأعمال إلى خلط الخيال ببعض العلم من أجل الكسب والمتعة مما أثر ذلك سلباً على جيل الشباب، إذ أصبح الكثير من الشباب غير قادر على أن يستنبط الحقائق العلمية السليمة والدقيقة من هذا المزيج المزيف، الأمر الذي أدى إلى تلوث مفهوم الثقافة العلمية عند هذا الجيل.
والحقيقة أن الخيال العلمي اصطلاح غير صحيح ولا مجال للشك في ذلك على عكس الخيال في الأدب والفن، فالعلم لا يعرف إلا الحقيقة المجردة والمثبتة بالتجربة والبرهان، وهذا ما يؤكده العلماء الذين توصلوا بعلمهم إلى قوانين وإنجازات علمية عادت بالفائدة على الإنسانية جمعاء فإن حقائق الكون وأسراره كلها من صنع الله تعالى وكل ماهنالك أن هذه القوانين والأسرار اهتدى إليها العلماء بقوة البحث والملاحظة والتجريب مع إقامة الدليل على صحتها وتأييدها من علماء ممن خلفهم بعد، وهذا يعني أن الحقائق العلمية لا تأتي من فراغ، فها هو البخار لم يكن خيالاً علمياً إنما كانت بدايته عندما لاحظ العالم (جيمس وات) وهو صغير أن غطاء إبريق الشاي يعلو ويرتفع عندما يغلي الماء فيدفع البخار هذا الغطاء وتلك الملاحظة كانت بداية عصر البخار حيث تابع (جيمس وات) البحث والتجريب إلى أن اخترع عدة أجهزة تعمل على البخار، وبمواصلة البحث والتجريب فيما بعد تم التوصل إلى اختراع السكة الحديدية، هذا يعني أن حضارتنا في هذا العصر حضارة علمية، وقد قفز العلم في مجال التكنولوجيا قفزات تشبه الخيال ولكن ليست خيالا. وأصبحت البشرية تتمثل الأدوات والوسائل العلمية اللازمة للتعبير وخلال مراحل التعبير هذه وتحت ظلال أفكاره نشأ مفهوم الخيال العلمي، وهو تناول للتقدم العلمي ومنجزاته، النافع منها والضار، من خلال أحداث درامية تم فيها المزج بين العلم والخيال، فالأول قائم على التجربة واستقراء الواقع والانتهاء إلى قوانين محددة، والثاني محاولة للتوفيق بين النشاط العلمي والنشاط الخيالي. وقد شهد القرن السابع عشر مؤلفين رائدين للخيال العلمي وهما الفلكي الألماني (بوهانس كبيلر) وكتابه (قصة رحلة إلى القمر) تعد الأكثر ذكاء في كيفية وصف القمر والطريق إليه, والفيلسوف الانكليزي (فرانسيس بيكون) وقصته (أطلانتس الجديدة) تحدث فيها عن مجتمع يماثل مجتمع قارة أطلانتس إضافة إلى الفيلسوف العربي(الفارابي) مؤلف (آراء أهل المدينة الفاضلة).
والخيال منذ بدايته وحتى يومنا هذا تعبير عن أحلام البشرية ومخاوفها من المجهول، وتناول للتقدم العلمي وسطوته في شتى صوره، وهذا النوع من الخيال ما يسمى بالخيال العلمي، وتعمد بعض الأعمال الفنية والأدبية على تزييف الحقائق العلمية حيث تطرح ظواهر غامضة ما يسمى بالخوارق وألغاز الوجود وخفايا الكون وما أشبه بذلك، وقد تثير قضايا بالغة الطرافة مثل وجود مخلوقات في أنحاء الكون أقل رقياً من الإنسان أو أن يسيطر الإنسان الآلي على صانعه البشري, إن هذا النوع من الأعمال وبأسلوبه الشيق يثير مشاعر الشباب ويبلور أحلامهم ويفجر إبداعاتهم وطاقاتهم الخيالية، ولكن هي في النهاية يدور في فضاء الخيال، والخيال ينفصل عن العلم لأن الخيال عالم افتراضي غيبي، غير أن العلم واقع ملموس تنعم بإنجازاته البشرية، وهو سر تقدمها وتطورها، وبهذا يكون مصطلح الخيال العلمي هو مصطلح غير دقيق.
وبما أن الشباب هم الركيزة الأساسية التي تقوم عليها أعباء كثيرة منها النهوض بالمجتمع إلى مستوى يواكب ركب الحضارة، لذا من المهم تثقيفهم تثقيفاً علمياً صحيحاً لا خلط فيه، بتقديم علم دقيق غير مشوه بأسلوب سهل وميسر دون انحراف عن الواقع حتى نبني في تفكيرهم مفهوم الثقافة العلمية بشكل صحيح بما ينمي تفكيرهم ويطور طاقاتهم، مما يدفع بعملية التطور العلمي إلى الشكل المنشود إليه ليواكب ركب الحضارة.
رقم العدد 16133