أفكار أولية حول مفهوم " الطرب " .. زكريا كردي

(1)
للحق، ما كان لي أن أكتب هذه المقالة البسيطة عن مفهومي الخاص لحال "الطرب"، لولا إلحاح بعض الأصدقاء الأعزاء من الذواقة المرموقين في مدينتي حلب الشهباء للموسيقا والفن والمعرفة.
إذ ليس من السهل على باحثٍ في مجال الفلسفة، وعازف عود هاوٍ، ومتذوق عادي لمعظم أنواع الموسيقا العالمية، أنْ يكتبَ عن موضوعٍ وجداني عميق، غامض شائك بامتياز، مثل موضوع "معنى الطرب وأحواله".
وبخاصة أني لست من أولئك الدارسين المُختصين في علم الأصوات والمقامات، ولا من المُتبحّرين كثيراً في قراءة (الصولفيج) أو النوطة الموسيقية إلى حد بعيد.
لكن مع ذلك، لا أرى مانعاً لتبادل الأفهام فيما بيننا حول هذا الأمر وسواه .
في البداية، لابأس إنْ عرفنا معا ، أن معظم معاجم اللغة العربية تقريباً – وبحسب اطلاعي البسيط عليها – قد أجمعت مع “لسان العرب” على أنّ تعريف الطرب هو :
خِفَّةٌ وهِزَّةٌ تثير النَّفْسَ لفرحٍ أَو حُزْنٍ أَو ارتياح …الخ .
وقالت أن الطَّرَبُ هو: الشَّوقُ ، والاجتماع، ومعنى كلمة طَرَّب: أي تَغَنَّى.
وعندما يقال: طَرَّب فلانٌ في غِنائِه تَطْريباً فهذا يعني أنه رَجَّع في صوتَه وزيَّنَه.
والتَّطْريب في الصوت: مَدُّه وتَحْسينُه. وطَرَّبَ في قراءته: أي مَدَّ في صوته ورجَّع فيه.
وقد نقل قديماً عن امرئ القيس أنه قال يوماً في أحدهم :
يُغَرِّدُ بالأَسْحارِ، في كلِّ سُدْفَةٍ ، تَغَرُّدَ مَيَّاحِ النَّدامى المُطَرِّبِ
وأما تعريف الطرب عندي، كما أفهمه وأشعر به ، فهو: وصولٌ حدسيٌ وجداني، يأخذ بتلابيب المرء العاقل إلى غاية الأربْ، فيما يُراد الشعور به عن محبةٍ ودهشة وعجبْ..
حيث يكون فيه الإنسان المطروب، في حالٍ فريد مؤقت من الفهم العام والإحساس الكلي المُجرّد .
والطرب قد يأتي به المرء دون أن يكون ذا دُرْبة أو تعلم أو دراية كافية لفن من الفنون ..
وليس بالضرورة، أن يطرب فقط، الإنسان العارف بالفن ولغة الموسيقا .. وحسب.
فكما أن هناك أعْطية التذوق البصري الشفيف، وموهبة إدراك الأبعاد في المكان والزمان الخاص كما (في الرسم أو التشكيل أو الحركة)، هناك أيضاً لدى البعض، موهبة السمع الرهيف للصوت والصمت (في فنون الصوت والموسيقا)، وهي لا تقل أهمية – في اعتقادي – عن موهبة العزف والغناء أو الرقص أو ..إلخ.
والآنية (أو اللحظة) الطربية، هي ردة فعل للوعي، قصيرة نسبياً، يقوم بها إنسان مرهف الحس وشفيف الخاطر، على نوع خاص من الجمال الحركي (الموسيقا – الرقص ..) ، المُختلف – نوعاً ما – عن الجمال البصري الساكن (النحت أو الرسم أو في العمارة أو .. إلخ) ..
ولا أشك مطلقاً في أن الشرق الغني بثقافاته الفنية ومكوناته الجمالية القديمة، فيه من حال النغم الفريد والإنساني، الشيء النادر والمُتميز، بل أخاله يكتنز الكثير من نفائس الجمال وجواهر الفن الإنساني، وأرى بأنه يستحق أن يُفرد له كثير من البحث والدراسة، وزمن طويل من التمَعّن والتأمل.. في ما يحتوي هذا المشرق بالذات، من مزيّات فنية وخاصيات جمالية، وبخاصة أساليبه الفنية المبتكرة وحلوله الإبداعية الفريدة، المتمثلة في كيفية نقل وتحويل الأفكار إلى أحاسيس صوتية ولونية وشكلية .. إلخ .
والتي رأينا كيف قُدمتْ إلى العالم – تاريخياً – عبر آثار ذات تعقيدات تعبيرية مذهلة، سُكتْ أسرارها عبر عصور طويلة، وصيغت إبداعاتها في مَراجل ثقافات مختلفة متعاقبة، لتعطي – بعد ذلك – العالم بأسره هذا الفضاء الفسيفسائي المميز من البناء والتشكيل والإنتاج الفني والموسيقي إلى درجة يكاد يصح القول إن الشرق له بالفعل، حق الأصل والفضل، في ظهور بعض التنويعات والتشكيلات والنغمات الموسيقية المبتكرة ..
مما لا يمكن لجاحد التغاضي عنه، أو جاهل إنكاره البتة .. ولئلا يكون الكلام مرسلا .. أو مرمياً على عواهنه ..ها هو المثال كائن أمامنا، في ربع العلامة الموسيقية وأجزائها الدقيقة (أو ما يسمى بالكومات)، والتي بات القاصي والداني في علم الفن والموسيقا يعلم بأنها السر الدفين الذي يصبغ بفرادته النغمية والمقامية موسيقا الشرق بأجمعه، لتتناسب – في اعتقادي – مع أمزجة شعوبه من سكان مناطق المناخ الوسطي المعتدل. ولتتفق مع معايير الحياة العاطفية الشرقية، من حيث حساسيتها في التعبير والصمت، ورونقها في نمط الفهم والحياء عند المشرقيين بشكل خاص، قبل أن تمتد بتأثيرها الواسع إلى الذائقة الفنية للإنسانية بشكل عام.
رقم العدد ١٦٢٢٦