المرأة بين النّصّ والتّناصّ (ثلاث تفّاحات نموذجاً) لمحمّد أبو معتوق

 

د. بتول دراو

اخترنا دراسة التّناصّ في نصّ (ثلاث تفّاحات) لما لهذه الرّواية من ارتباط في ذهنيّة المتلقّي بالنّصّ الغائب المختزَن في الذّاكرة، وقد انطلقنا من تحديد المفاتيح النّصّية فيه؛ وهي على التوالي: (ثلاث تفّاحات؛ إلى مهيار، قالت شهرزاد)، وتحمل الدّلالات الآتية: نصّ دينيّ سرمديّ، ونصّ شعبيّ تاريخيّ وبينهما خطاب واقعيّ حاليّ معيش. وبعد الإمساك بمفاتيح النّصّ نتحوّل إلى دراسته ورصد العلاقة بين المفاتيح النّصّيّة، والأبعاد الثّقافيّة والفنّيّة لكلّ منها.
جاء في العهد القديم "وقال الربّ الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منّا عارفاً الخير والشرّ، والآن لعلّه يمدّ يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل ويحيا إلى الأبد". وجاء في القرآن الكريم "ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا مَلَكَين أو تكونا من الخالدين" (7- 20) وسنجعل من هذين النّصّين نصّاً غائباً أولاً لنصّ (أبو معتوق).
يتفاعل النصّ التوراتيّ ويهيمن بحضور قويّ في نصّ (أبو معتوق) (ثلاث تفّاحات)، ويلحّ الرّوائيّ على استحضار النّصّ الغائب، عندما يضع أمامه تفّاحات ثلاث وليست تفّاحة واحدة كما يقول النّصّ الأصل؛ وهو – أي الرّاوي- مدرِك تماماً الأبعاد المعرفيّة التي تحملها كلمة التّفاحة في ذهن القارئ. ولذلك يفاجِئ القارئ بوجود ثلاث منها بدلاً من واحدة كما ألِف واعتاد، وفقاً للمنظومة الفكريّة المتوارثة، ولكن يبدو أنّ الرّوائيّ أراد أن يضع القارئ في مواجهة فكريّة مع النّصّ الغائب، وأن يرسم له إطاراً من الدّهشة في الإصرار على المعصية في النّصّ الحاضر بخلاف الشّعور بالذّنب الذي ألِفه القارئ في النّصّ المختزن في ذاكرته.
وينقل الرّوائيّ قارئ نصّه إلى ثاني مفاتيح النّصّ، وهو العتبة النّصّيّة – الإهداء ( إلى مهيار) وقد لا يعي القارئ لأوّل وهلة من الإهداء سوى الجانب العَرَضي منه، ولكنه سيكتشف أهمّيّة الإهداء ودلالته عندما يختم القراءة النّصّيّة، وحين ذاك سيوسّع القارئ من الإطار الخاصّ الإهدائيّ ليجعل منه إطاراً عاماً واسعاً موجّهاً نحو جيل جديد أو فئة معيّنة أو شريحة ما.
وبعد ذلك يأتي البوح بما يجيش في ذهن الرّاوي من حكايات، وبما أنّ المنظومة الإبداعيّة تدور في دائرة كلّ من المبدع والنّصّ والمتلقّي، فإنّ نصّ (أبو معتوق) يركّز على العنصر الثّالث من عناصر هذه المنظومة الإبداعيّة، ونقصد طرف المتلقّي بالتّحديد، فالممارسة الإبداعيّة لدى الروائيّ تحوم حول المتلقّي، وتحاوره، وتلحّ على استحضار النّصّ الغائب لديه.
وعندما يشرع المتلقّي بالقراءة سيبحث عن التّفّاحات الموعود بها في عنوان النّصّ، فأين هي؟؟ سنجد أنّ التّفّاحّات تطالعنا في منتصف النّصّ، أي أن مركز النص جاء متمحوراً في الوسط، وحول المركز تدور الحكاية الأم، ويدخل القارئ في تشعّبات عدة، وقصص متنوعة تعود بمجملها إلى النّصّ الأكبر في الرّواية، إضافة إلى ملامسة قضيّة مجتمعيّة مرتبطة بالمرأة تحديداً فالإصرار على التّفاحات الأولى والثّانية والثّالثة برغم الوعي بخطورة ارتكاب الخطيئة يؤكّد الرّغبة الحادّة في البحث عن الحياة لدى المرأة الآثمة وفقاً لمعايير المجتمع الذي تنتمي إليه.
وقد عرض الرّوائيّ لأحوال المرأة في عدد من المراحل، وقسم نصّه الرّوائيّ تبعاً لذلك، فثمّة مرحلة أولى تمرّ بها النّسوة وهي مرحلة التّبعيّة للعقليّة الذّكوريّة، ثم مرحلة التّخلّص من هذه التّبعيّة. وكذلك المكان انقسم إلى اثنين: خارج السجن وهنا يمثّل مرحلة الهيمنة والسّلطة، أمّا داخله فمرحلة التّحرّر من تلك الهيمنة، ولكنّ الرّاوي كان حريصاً على أهمّيّة الثّنائيّة الرّجل والمرأة معاً، ولذلك كان ينبّه القارئ إلى أهمّيّة التّكامل بين الطّرفين لا التّنافر أو التّضاد بينهما، وبسبب الصراع نشأ العقم في المجتمع، ولذلك تأتي أهمّيّة النّصّ في إعادة البنية الاجتماعيّة إلى شكلها السّليم، ورصد النّواقص في البنية الحاليّة فيه، ولهذا جاءت نهاية النّصّ بالعودة إلى الفطرة الأولى حيث العلاقة الإنسانيّة بين الرّجل والمرأة من دون أن تفسدها مشوّهات المجتمع الرّاهن.
وقد جاءت النّصوص الحكائيّة على لسان شهرزاد، والإطار العام كان مشابهاً لأجواء ألف ليلة وليلة، إذ ما إن تنتهي الحكاية حتى تبدأ بغيرها. وقد جاء شهريار متلقّياً داخل النّصّ، ولكنّه كان متعاطفاً مع المرأة، بخلاف ما كانت علاقته معها في ألف ليلة وليلة.
وتجدر الإشارة أخيراً إلى العرض الرّوائي اللّافت والمشوّق والمتنوّع، إذ يقتطع الرّاوي السّرد لينقلنا إلى ما يشبه اللّقطة السينمائيّة التي تتولّى إدخالنا في حكاية أخرى، أو تكمل لنا مشهداً أو تعود بنا إلى آخر. إضافة إلى التّنوّع الذي بدا واضحاً في طريقة عرض الحكاية، بين العرض الكامل لها مرّة واحدة، أو تقسيمها إلى مقاطع مجزأة وللقارئ أمر الرّبط بينها، وبين الإشارة ثمّ التّفصيل. كلّ ذلك في تنويع أسلوبيّ غنيّ ومتعدّد اعتمده الرّاوي في النّصّ، ويدلّل بقوّة على الإبداعيّة الفنّية لدى محمّد أبو معتوق .
رقم العدد ١٦٢٧٠