طيف امرأة!

الجماهير- بيانكا ماضيّة

كان الشيء الوحيد الذي رغبت فيه، هو أن أضع رأسي على الوسادة وأغط في تفكير عميق، تلك هي الراحة التي كنت أسعى إليها بعد يوم مرير، يوم من العناء مع الناس والأشياء والأفكار، والتقاليد ورؤية الورود وتنشّق رائحة التراب.
كنت أبحث عن لحظات هروب من كل شيء، أن أعيش في عالم آخر، لايمت إلى هذا الواقع بصلة، في لحظة ما رغبت أن ألقي بنفسي إلى جانبها وأرتاح!.
كنت أنظر إلى عينيه الجامدتين، وأنا أعرف تفاصيل المصيبة التي ألمّت به، لقد فقد زوجته، ولم يعد له في هذا العالم من يؤنس وحشته!.
رغب في تلك اللحظة أن يعيد على مسامعي قصة لقائه الأول بها، وكأنه كان يريد استرجاع لحظات السعادة التي كانت تغمره من رأسه حتى أخمص قدميه، ليستشعر بعضاً منها، عسى أن تخفف ولو قليلاً من حزنه الطاغي على ملامحه وجسده الهزيل، ولكن أتخفّف الذكرى من ألم بات ينخر العظام؟!
لم يكن لقاء عادياً، هذا ماقاله لي، كان غيبوبة عن عالم لم يكن يملك إلا صوت الرصاص، غيبوبة كانت تسمع فيها تلك المرأة مقامَ صوته، وضحكة تختتم العبارةَ بأشواقٍ لضحكة أخرى، كانت تسمع صوت أشواقه وتتدحرج على سلّم ذاك الصوت كعلامة ضائعة بين السطور، وملأها الصوت وملأتها العبارة الأشهى: تعالي.. وغفا العالم على صوت ارتطام أمواجه بأشواقها، ماكان بحراً حين سكن الشاطئ لحظة غروب، وماكان رفيف حلم قديم.. وما كان هذا الكون بأسره.. كانا.. وحسبهما أنهما كانا اثنين لفّتهما نسائم بحر هادئ ينصت إلى رنين أشواق تسافر عبر المجرات، تبتلع المسافات ليسكن كل شيء ويبدأ الكون بداية محتومة.
أشواق تسري في كيانين، ترتمي على شفاه لم تختبر طعم الشفاه، أشواق استرقها اثنان على مرأى من بحر، على مرأى من منارة انتفضت لحظة سكون إذ شعرت بهذا الحنين، وفتحت عينيها فلم ترَ إلاهما، اثنين اختبأا من رمال شاطئ يضجّ بليل صارخ، وما كانا اثنين، لا أعرف أيّ كائن كانا، وقد حملتهما الآلهة إلى هذا الفراغ المعتم.. أغضّت المنارة طرفها حين لمستهما بأنوارها! كانت تلك المنارة ترقص رقصتها الجنونية وهي تبحث عن صوتٍ رُسم على الشفاه أمام بحر لاذت يداه بعينيه!.
-الرحمة لروحها! هذا ماقلته له وهو يقصّ علي تفاصيل تلك اللحظات!.
-لا لم تمت، امرأة مثلها لايمكن للموت أن يأخذها، لايمكنه أن يأخذ ذكراها المعششة في داخلي، لايمكن أن يأخذ روحها التي تحوم حولي، لقد بقيت نبضاً أشعر به كلما حام طيفها، ويا لطيفها المؤرّق!.
اغرورقت عيناه بالدموع، وما رغب أن يريني تلك الدموع وهي تسيل على خديه، نهض والحزن يملأ كيانه، ثم فتح الباب ومضى!.
رقم العدد 16298