ذاكرة الزمان

 

* نبوغ محمد أسعد

كان الخريف يعلن عن سفره مسبقا ويسلم أوراق اعتماده للشتاء المحمل بجعبته قصص وأعاجيب تنفرد فيها عرائس الجن فتتسلى بمشاعر الناس البسطاء الذين يقبعون وراء مدافئ الحطب والمازوت وهم يتسامرون ويشربون الشاي الزوفا مع الجوز واللوز والبندق ،أو ليكون الزبيب والتين المجفف ، ودبس العنب والتمر تحلاية المساء .
البرودة تتغلغل في أجسادنا، فتسري بها القشعريرة كما يسري هذا السرطان في شريان الوطن .
حقائب السفر أصبحت جاهزة والرحيل صار خيارنا الوحيد لنكون أكثر أمانا على حياتنا في منطقة أخرى.
كنت جالسة في إحدى زوايا صالون المنزل أتابع ما يبثه التلفاز من أخبار هذا العالم المتناقض وما يدور من حروب لكسر شوكة العرب .
أمي في المطبخ تعد طعام العشاء وعيونها تذرف الدموع مع تنهدات القلب الموجوع ،وأبي يلقي على إخوتي محاضرته اليومية باستغلال الوقت للوصول إلى أهدافنا ، فالمستقبل مجهول وغامض ويجب أن نصارع الوقت قبل أن نتوه في صراع مع الزمن .
أفكاري مضطربة، ولا أعرف كيف أحدد خياراتي ولا حتى أستطيع البوح بمكنونات نفسي المتهالكة في دهاليز التشتت الذي يأتيني دفعة واحدة، هل أذهب وأصارح أمي، لعلها تكون لي عونا في مشكلتي ؟ أبدا .. لا أستطيع أمي بطيبتها المعهودة يمكن أن تبوح في لحظة ضعف كل مالديها لوالدي .
اغتنمت الفرصة واتصلت بقسورة . ألو حبيبي مازلت مستيقظا ..أهلا حبيبتي وكيف أنام وسفركم غدا إلى دمشق وأنا سأبقى في هذه الجبال التي عشقتها لأجلك وأخذت منها ومن جمال عينيك قوتي ومدادي، لأقف في وجه عدوي بكل صلابة، إنني أشعر بالاحباط والقلق والكآبة.
قلت له: فترة زمنية وسنعود وهذه فرصة لي كي أختار ما أتمناه لإكمال دراستي دون أن يقيدني أحد بشروط ، الكلية الحربية هدفي ولن أتخلى عنه وهذا ما يعزيني .
وصال حبيبتي حاولي أن تخرجي بأي سبب أرغب في رؤيتك وهذا وقت استراحة، رفاقي وآخرون في مهمة مع الضباط.
سأحاول .
أقفلت جوالي وهرعت باتجاه أمي ،مازالت تعد العشاء وهي تعيد ذكرياتها في هذا البيت بصوت مسموع يرافقه تنهدات وحسرة .
قلت لها :أمي أريد الذهاب لعند جارتنا ناديا ،يبدو أنه وقت مخاضها، وهي خائفة.
ردت أمي بطيبة ولهفة : هيا أسرعي فهي أمانة في عنقنا لحين عودة زوجها وأخبريني إن كانت ولادة لنسارع أنا ووالدك كي نأخذها للمشفى .
أخذت جوالي وخبأت في صدري حمالة مفاتيح أنيقة عليها حرف من اسم قسورة وعندما وصلت إليه رأيت كل معاني اللهفة والحب في عينيه وعندما ضمني إليه تلاشى برد أيلول وأصبح دفء الربيع بشمسه الحارة يسري في عروقي المتعطشة لرائحة جسده الفتي.. تحدثنا عن كل مشاعر الحب وقيمته العالية عندما يكون مبنيا على الصدق وبعيدا عن كل العادات والتقاليد والمذاهب التي مازالت تقف عائقا في طريق المحبين وتحول حياة الناس إلى بؤس وشقاء .
كانت أمانته لي ألا أضعف وأن أبقى قوية لتحقيق حلمي في الكلية الحربية للبنات وكم هو بشوق لرؤيتي في البزة العسكرية .
مشاعرنا وأحاسيسنا كانت تشهد عليها، تلك الصخرة الصلبة وشجرة الزيتون التي غطتنا بأغصانها، بعيدا عن عيون الناس .مددت يدي إلى صدري وأعطيته حمالة المفاتيح ،أخذها من يدي واشتم رائحتها بعمق وقال : ستبقى معي إلى أن أموت ،لأنها تحمل رائحة جسدك وتنبض بنبضات قلبك وحرارة حبك ومد يدي إلى صدره وقال: وهذا قلبي أودعته لديك ، فحافظي عليه ولن يفرقنا سوى الموت .
في دمشق كان استقرارنا في بيت يقع في أحد المباني العالية لدمر البلد . وكان قسورة يسيطر على ذاكرة الروح، في الكلية والبيت والشارع وفي كل شبر من الشام التي احتضنت آلامنا وآمالنا وكانت العزاء الأكبر لكل جراحات القلوب وقساوة الحياة وخلال الأربع سنوات التي انقضت وأنا في الكلية لم يتسن لي رؤيته إلا ثلاث مرات بسبب ظروف الحرب ولكني قضيت معه أجمل أيام عمري، عندما كان يأخذني من أمام باب الكلية ببزتي العسكرية ونطير إلى قاسيون الشامخ وضجيج وهمسات عشاقه المجانين وأسرارهم التي حملوه إياها أمانات ،كما حمله كل السوريين أسرارهم وشهد على بطولاتهم وكانت دموعه تذرف على رحيلهم ومازال يستقبل ويودع إلى هذه اللحظة
شوارع الشام ومدنه ،نتنشق عبق ياسمينه العتيق ونرتاد المحلات الشعبية نأكل مالذ وطاب وقلبانا يطيران في أجوائها .
اتجهنا بعدها إلى دمر وقدسيا و في يعفور عرفني على رفاقه من كل الأطياف السورية وعلى إخوته وأهله . اتفقنا على الزواج بعد تخرجي ولن يكون لأحد علينا سلطان في تقرير مصيرنا .
وهأنذا أقف وحيدة رغم اعتزاز أهلي بي كوني الفتاة الوحيدة في قريتنا تتخرج من كلية البنات ورغم تفوقي ومحبة الضباط الذين أشرفوا على تدريبي في الكلية وماوصلت إليه من نجاحات ،لكن رحيل قسورة إلى عالم آخر بعد أن اغتالته يد الإرهاب في إحدى القرى الريفية، جعلني أشعر بالوحدة ولم يبق لي سوى الذكريات التي جمعتني به ،فأقتنص الفرص وآتي إلى قاسيون أقف أتأمل القمر فيطل علي وجه قسورة بضحكته الممتلئة بالحب والحنان ويتابع تحركاتي وكأنه يوصيني بإكمال مسيرتنا في ربوع الوطن الذي بانت على مفارقه علائم الشيب لتزيده وقارا وبهاء... صحيح أنني أتظاهر بالقوة ولكن بداخلي عالم يبكي جمرة الروح التي خمدت نيرانها في قلبي مخزونة بذاكرة الزمان التي لا تشيخ.. ومخطئ من قال : الزمان كفيل بالنسيان .الماضي عندما يكون جميلا ويأتي بعده الحاضر المر لن ينسى مهما تعاقبت عليه السنون .وسيبقى مخبأ بذاكرة القلب والوجدان .ورائحة الكلمات تدب في الأوصال .
رقم العدد 16358