عين واحدة فقط !

الجماهير / محمد أنمار حجازي

يحدث أحيانا أن يولد المرء
في مدينة حلب
كما ينبغي لجلاله
وأن يتهم بأنه إله
كما ينبغي لجلالها
ويحدث أن تفيض حلب هذه بالأوطان
فيتوزع أولادها في بقاع الأرض
ويدهنون الزيت على جدران مغترباتهم
ويرشون الزعتر على آلامهم كالملح
ويحدث أن يغسلوا حزنهم بالغار
ويتنشقوا في كل صباح قلعة
ويرتشفوا بابا كالحديد
أو بابا كالفرج
ويقلون أسماكهم التي ابتلعوها في بحر إيجه بتمائم الأمهات
يحدث أن تكون حلبيا في أوروبا
وأمك تغسل لك ملابسك في حلب
وترتب سريرك الذي لم تنم فيه منذ مدة
وتخبئ لك طبقا من اللحم تحت جلدها
او الكبة اللبنية في ثدييها
يحدث أن تفعل ذلك أمك
وهي تلقمك عبر السكايب أو غيره
لقيمات من السفرجلية التي تغص بها
في كل عضة
على شفاهها
وتعصر لك ليمون دمعها
على طبق الملوخية
يحدث أن تبكي هذه الأم
كلما قشرت بصل صوتك
وأحيانا تقطع ورد المربى
ورقة ورقة
سيعود.. لن يعود
سيعود.. لن يعود
وكونها لا تعرف الرسم
فإنها تتخيل شكل ولدك المنتظر
على رغيف الخبز
وتتأمل قمح وجهك فيه
تخيط ثوب شوقها
بوجه أبيك
يحدث أن تولد في مدينة حلب
فتكون على جلال وجمال
بحجم حزن الأمهات
فيا الله ياربنا
هذه البقعة من أرضك التي اسمها حلب
تلبس قميصا مرقعا كجدران بيوتها
وكخاطر أهلها
بجلالك يا الله
كن بها رحيما
وارم قميص يوسفك في وجهها
في وجه أمهاتها
وأعد لها بصرها
ولو عينا واحدة فقط
عينا واحدة فقط.
رقم العدد ١٦٣٦٩