طفل الرصيف

الجماهير - بيانكا ماضيّة

في عينيه نظرة بؤس لابدّ لكل من مرّ أمامه أن يلحظ هذه النظرة التي تلفّ عينيه، والتي تشي بمعاناة وأسى لطالما رزح تحت نيرهما، كان جالساً على حافة الرصيف يبيع بعضاً ممّا يحلو للأطفال شراؤه من بسكويت وراحة وغيرهما. كنت أراه كل يوم يفترش الأرض في زاوية محددة من هذا الرصيف، ذات مرة مرّت من أمامه مجموعة من التلاميذ وهم عائدون من مدرستهم، رمقهم بطرف عينه، ثم انكسرت نظراته نحو ماكان يبيعه. كنت أراقبه من بعيد وأتتبّع نظراته التي كلّ نظرة فيها تحكي حكاية، تحكي أملاً، تحكي معاناة، ولكن ثمّة دموعاً في العينين تأبى أن تتدحرج على صفحة الخدّين خشية أن يتم التقاطها من أحد المارّين.
أصخت إلى صمت قلبه، إلى صوته الداخلي، وأنا أتتبع تلك النظرات الهائمة، فماسمعت إلا صوت الأسى والحزن.. بعد قليل تمرّ امرأة من أمامه وهي تمسك بيد ابنها الصغير الذي استوقفها لتشتري له من هذا البسكويت الذي يبيعه طفل الرصيف.. رحت أقارن بين الطفلين، بين ثيابهما، بين الدمعة المكبوتة، والابتسامة العارمة، بين حالين يكمن في طياتهما الكثير من الطمأنينة والسكينة والأمل والكثير من القلق والحزن والغمّ. وبعد أن اشترت المرأة لطفلها الصغير بعضاً من البسكويت ومضت، اقتربت من الطفل لأسأله عما يضطره لأن يكون خارج المدرسة، قال والدموع في عينيه: أبي استشهد في الحرب، وأمي مريضة إذ طالتها إحدى القذائف فقطعت ساقها فأقعدتها، وأنا وحيد، وليس هناك من معيل.. أطرقت رأسي، ثم عدت لأسأله: وهل يكفي ماتجمعه من بيع هذه الأشياء لتعيش أنت وأمك المريضة؟! قال: أفضل من لاشيء!.
في هذه الأثناء كان ثمّة رجل يقف قريباً منّا، وقد أصاخ سمعه للحديث الذي دار، وما وجدته إلا أن اقترب منّا ليسأل الطفل عن ثمن المأكولات جميعها، فابتسم الطفل وقال: عشرة آلاف! أخرج الرجل من جيبه رزمة من النقود، تشي بأن عددها مايقرب من الخمسين ألفاً، وأعطاها للطفل الذي بدأ بعدّها، فطلب منه الرجل ألا يعدّها الآن، ثم سأله: أين تسكن؟! ارتبك الولد وأحسّ بشيء من الخوف الذي بدا في عينيه واضحاً، قال له الرجل: لاتخف، فقط أعطني عنوان بيتكم.. فما كان من الطفل إلا أن أعطى عنوان بيتهم للرجل..شكرت الرجل على صنيعه ومضيت في طريقي.
في اليوم الثاني لم أعد أرى في تلك الزاوية من الرصيف طفلاً يفترش الأرض ليبيع أحلامه للمارّين!.