المصارف ما لها وما عليها

الجماهير ـ مصطفى خواتمي
أول مصرف تأسس بحلب بشكل قانوني حديث ووفق طرق محاسبية جديدة هو المصرف الزراعي الذي بني عام 1898 أمام القلعة وما زالت اللوحة الرخامية التي تحمل اسمه موجودة وقد سمي في الأربعينيات (مقهى البلدية) وحالياً (مطعم بيرويا).
وقد بيعت في ذلك الحين أراضي جبل النهر المطل على نهر قويق بالقرب من محطة بغداد ليتم بناؤه وبناء مدرسة الصنائع النسوية.
ثم توالى تأسيس مصارف خاصة وأجنبية منها على سبيل المثال: مصرف بالي في المدينة القديمة ومصرف ألبير حمصي. وكانت عبارة (المال إكسير الحياة) هي المسيطرة واستمر الحال على هذا المنوال بعد الاستقلال وكان من أشهر المصارف في طلعة البنوك، مكان المحكمة الشرعية السابق، (بنكودي روما) ومكان المصرف التجاري السوري الفرع رقم /3/ (البنك العربي).
وفي عام 1933 قام مصرف سورية ولبنان والمهجر ببناء مصرفين في منطقة المصابن وكان تصميمهما مشابهاً لتصميم مصرف سورية ولبنان في دمشق وبيروت.
وكانت بيروت منذ بداية الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان مركزاً لإصدار العملة المشتركة وكانت تتم عملية تصميم وطباعة العملة على أيدي الفرنسيين حتى عام 1951 إلى أن تم تأميم المصالح الفرنسية فتبين أن إدارته العامة موجودة في باريس وهي شركة مساهمة فتم التفاوض معها والتعويض عن فروعها وتأسيس مؤسسة النقد السوري. وفي عام 1955 صدر قرار بتأسيس مصرف سورية المركزي ولغاية اليوم.
وكانت معظم المصارف من القطاع الخاص الوطني والأجنبي حتى عام 1958 فقام عبد الناصر بتأميم المصارف الأجنبية ومنذ عام 1963 وحتى عام 1965 قامت الدولة السورية بتأميم القطاع المصرفي بأكمله.
وتم تأسيس مصرف توفير البريد ومقراته في فروع البريد السورية البالغة حوالي 100 فرع في المحافظات والمناطق والنواحي وسمي مصرف الطلاب والجنود والفقراء وكان الحد الأدنى للسحب أو الإيداع هو /5/ ل.س وسمح للقاصرين بفتح حسابات تحت إشراف ولي الأمر.
كما نص مرسوم تأسيسه على حصانة عدم الحجز على حساباته المصرفية إلا إذا كان الحجز صادراً عن المحاكم الشرعية لصالح النفقة.
ثم أحدثت مصارف التسليف الشعبي وهدفها إقراض الحرفيين والورشات الصغيرة وكذلك العاملين في الدولة من ذوي الدخل المحدود وعددها بحلب ثلاثة فروع وأصدرت شهادات الاستثمار كي تستثمر أموالها في مجالات مختلفة. ومنذ قيام الحركة الصناعية في سورية عامة وفي حلب على وجه الخصوص نشطت المصارف الصناعية في تمويل المعامل والشركات الصناعية المساهمة.
وكان دور المصرف التجاري السوري منذ الستينيات مهماً إلى جانب فروع المصرف الزراعي الذي يمنح القروض للبذار والمبيدات الحشرية والسماد الآزوتي لتحريك القطاع الزراعي بدلاً من التمويل من المرابين الذين كانوا يمتصون عرق وجهد وتعب الفلاح.
وبعد عام 2000 سمح القانون بتأسيس المصارف الخاصة سواء كان مركزها الرئيسي في سورية أو كانت فرعاً لمصرف عربي أو أجنبي.
وكانت حركة تأسيس المصارف بحلب متسارعة وواعدة في المستقبل ولكن تأثير الحرب على سورية التي بدأت عام 2011 وما زالت حتى تاريخه قد انعكس على المصارف كافة، فقد انخفض عدد فروع المصرف التجاري السوري من /8/ فروع إلى ثلاثة فقط هي العاملة الآن وهي: الفرع رقم 2و6و7 وتعثر المصرف الصناعي الكائن أمام الجامع الأموي الكبير فكانت الخسارة كبيرة.
ومنذ أيام تم افتتاح الفرع الرابع لمصرف سورية الإسلامي في شارع فيصل حيث أن هذا الشارع أصبح بحق البديل عن طلعة المصارف في الخمسينيات وهي الطلعة الكائنة جانب البلدية القديمة باتجاه السبع بحرات.
ولا بد من الاعتراف بأن القطاع الخاص المصرفي السوري والعربي والأجنبي أصبح منافساً قوياً للقطاع العام المصرفي لأن المصارف تحتاج إلى سرعة الحركة وتوفير السيولة اللازمة للشرائح المنتجة في الدولة فدورة رأس المال كلما كانت أسرع كانت أرباحها أكثر وعلى هذا نطرح السؤال التالي:
ما هو دور المصارف في عملية التنمية منذ الستينيات وحتى الآن؟
للجواب على هذا السؤال يجب أن نفرق بين المشاريع الكبرى أولاً والمشاريع الخاصة المتوسطة والصغيرة من ناحية ثانية.
أولاً ـ المشاريع الكبرى:
كانت المصارف الحكومية منذ الستينيات وحتى بداية القرن العشرين ممولة رئيسية للمشاريع الحكومية الكبرى مثل: إنشاء صوامع الحبوب والخطوط الحديدية والمرافئ وتمديد أنابيب النفط والغاز وتمويل الشركات الصناعية بمختلف أنواعها.
كما لعبت دوراً مهماً مع المصرف العقاري في تمويل مشاريع السكن للقطاع العام والعقاري والخاص وكان المصرف العقاري يقسط سعر المسكن المشترى على ثلاثة أنواع: قصيرة الأجل، وتبلغ مدتها حوالي /5/ سنوات، ومتوسطة الأجل، وتبلغ مدتها /10/ سنوات، وطويلة الأجل، وتبلغ فترة السداد /15/ سنة. ونادراً ما قام المصرف في حال تعثر العميل عن الدفع لمدة سنة فأكثر بالبدء بإجراءات البيع بالمزاد العلني وفق إجراءات التنفيذ المدني القانونية.
وكان المصرف مخولاً بوضع إشارة تأمين وفق عقد التأمين على العقار من الدرجة الأولى أو ما يسمى لدى العامة (الرهن). وفي الحقيقة هو ليس رهناً حيازياً بل إنه رهن بدون حيازة العقار أو ما يعرف في القانون (تأمين على العقار) حتى إذا انتهت المدة وسدد المدين التزاماته رفعت إشارة التأمين وحقق المتعامل أرباحاً جيدة والأهم من ذلك هو تأمين مسكن مناسب لذوي الدخل المحدود.
ومن ناحية أخرى، فإن توزيع عشرات الآلاف من دور السكن للمكتتبين لدى الجمعيات التعاونية السكنية لقاء دفعات معقولة قد وفر لهم مساكن صحية وبمساحات جيدة وفي حال البيع فقد حقق المتخصص أرباحاً لا يحسد عليها.
ثانياً: دور المصارف في المشاريع المتوسطة والصغيرة
إن قيام بعض المنظمات الدولية بتقديم الإعانات بدون مقابل لذوي العاهات والمعوقين نتيجة الحرب الظالمة على سورية وتأمين مصدر رزق معقول لهم بدلاً من تركهم للفاقة والمرض والبطالة أدى إلى قيام المصارف الخاصة والعامة بدخول مضمار هذا العمل الإنساني والتنموي مقابل قروض لا تتجاوز مليون ليرة سورية لذوي الدخل المحدود أو تتجاوز المليون لأصحاب الشهادات الجامعية أو المعاهد المتوسطة لفتح ورشات عمل حتى يتمكنوا إذا نجحوا في عملهم من رد القرض مع فوائده وبذلك يكون المجتمع قد استفاد من مواطن صالح منتج بدلاً من الهجرة وقدم خدمة معقولة لأبناء المجتمع ونشر فيهم روح المحبة والوداد والتسامح وهذه الفائدة الاجتماعية لها أكبر الأكثر في حياة الإنسان.
رقم العدد 15577