قانون الأحوال الشخصية : ترسيخ الثوابت وتعديل المتغيرات

 

الجماهير- الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة
تعطي الشريعة الإسلامية مؤشراً واضحاً لكل الدارسين على عظمتها لكونها تحوي في تعاليمها على النَّهج والسلوك والآلية التي تجعلُ منها صالحةً لكل زمان ومكان، ذلك أنها شاملة ومتكاملة تُرسّخُ ثوابت الفضيلة التي لا تتغيّر أبداً، هذه الثوابت التي تشكّلُ السياج الأقوى للحفاظ على شخصية الإنسان كائناً من كان ذلك الإنسان، سواءٌ في ذلك المسلم وغيره؛ إن شريعة الإسلام تحافظ على الإنسانية جمعاء.
على أن مساحة الثوابت في الشريعة تُعتبر صغيرة إذا ما قُورنت بالمتغيرات والظنيات التي تخضع لنظر العلماء والفقهاء المجتهدين، فيجتهدون في أحكامها مع مراعاة مقتضيات الواقع المعيش ومتغيراته التي تجعل نظر العالم المعاصر قد يختلف عن نظر من سبقوه، وبما يحقق مصلحة الإنسان في الدنيا والآخرة.
والثوابت في الإسلام رغم صغر مساحتها إلا أنها واضحة وصريحة وضابطة، بخلاف المتغيرات التي تشغل حيِّزاً كبيراً، وهى وإن كانت صحيحة إلا أنها تتعدد فيها الأفهام والشروح، ونصوصها تحتمل ذلك وإن كان فيها الراجح والمرجوح بحسب نظر العلماء المجتهدين على اختلاف مناهجهم في تناول النصوص.
إن عدم اعتبار الفرق بين الثوابت والمتغيرات أو عدم إدراك مساحة كلٍّ منهما في الشرع، ينتج هذين الفريقين المتطرفين المتضادين.
والحقُّ في منهج الشريعة الإسلامية الذي لا يمكن أن نرتاب فيه هو "الوسطيّة" التي تقف بين التشدد والانحلال.
و"لا يُنكَر تغيُّر الأحكام بتغيُّر الأزمان" قاعدةٌ أصولية ذهبية اعتمدها الفقهاء والأصوليون في تعاطيهم مع أحكام الشريعة الإسلامية التي لم يرد فيها نصٌّ شرعي قطعي الثبوت وقطعي الدلالة؛ وذلك لضمان مرونة القوانين والأحكام وصلاحها لكلّ زمان ومكان.
ولعلَّ معنى هذه القاعدة وتطبيقاتها تنسحبان على سائر القوانين الحاكمة للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتجارية والدولية.
ويُعتبر قانون الأحوال الشخصية من القوانين الأكثر حساسية، لكونه ينظم أمورًا تتعلق بالحياة العامة والشؤون الشخصية للأفراد.
وبما أن قانون الأحوال الشخصية يستند إلى الشريعة الإسلامية كمرجع أساسي، لذا فأي تعديل يطرأ عليه لا بد أن يفتح مجالًا واسعًا للجدل، ويجذب آراءً متناقضة، بعضها يطالب بالوصول إلى قانون أحوال شخصية مدني، وبعضها ينظر بحذر شديد إلى البنود والنقاط التي يخشى البعض أن تبتعد بفهمها أو تطبيقها عن الشريعة الإسلامية.
ومنذ عام (1953م)، لم يتعرّض قانون الأحوال الشخصية إلّا إلى تعديلات طفيفة، غيرت ملامح بعض بنوده. وقد جرت أغلب التعديلات على قانون الأحوال الشخصية قبل عام ( 1975)، وبعد عام (2000م)، وتركزت على أمور تتعلق بالزواج، لكن التعديلات الأكثر شمولًا انتظرت ستة وستون عاماً.
ففي العاشر من شهر شباط الماضي ، أصدر السيد الرئيس بشار الأسد القانون رقم /4/ القاضي بتعديل قانون الأحوال الشخصية بنسبة ثلاثة وعشرون بالمئة (23% ) من مواده وقد شمل التعديل عددًا كبيرًا من المواد، يصبّ أغلبها في إطار تحسين وضع الأسرة والمرأة والطفل .
وإذا اطّلعنا على تلك التعديلات التي استوعبت (71) مادة من أصل (308) من مواد قانون الأحوال الشخصية وأجرينا دراسة للمواد التي تم تعديلها سنجد أنها تحدد الأمور المتعلقة في شؤون الزواج والطلاق وحضانة الأبناء والميراث، بالاستناد إلى نصوص قرآنية صريحة أو أحاديث نبوية.
والحقيقة أنه من الطبيعي أن يوجد نقاش حول هذه التعديلات لا سيما من أولئك الذين يظنون أنه لا يجوز المس بالآراء الفقهية التي اعتادوا عليها والتي كانت تشكل مرجعًا رئيسًا لقانون الأحوال الشخصية في الجمهورية العربية السورية عند إصداره عام (1953م).
على أن جميع الآراء الفقهية قابلة للتعديل تبعًا لظروف الزمان والمكان، مع الإشارة إلى أن ذلك لا يخالف نهج الفقهاء أنفسهم فالإمام الشافعي مثلاً سبق وعدّل في مذهبه وفقًا لطبيعة المجتمع الذي عاش فيه.
ونلاحظ في تعديلات هذا القانون ترسيخاً لقيم الإسلام وتطبيقاً لروح الشريعة في حق المرأة ففي عموم التعاليم الدينية نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( النساء شقائق الرجال ما أكرمهنَّ إلا كريم وما أهانهنَّ إلا لئيم) وهذه التعديلات أعطت مساحة أوسع للمرأة في بعض الجوانب لم يكن منصوصًا عليها بالقانون.
رقم العدد15607