أصحابُ الأخلاقِ السيئة ، والبنادقِ المهترئة

 

الجماهير- بيانكا ماضيّة
في زمنِ تردّي القيمِ والمبادئِ والأخلاق، زمنِ السقوطِ في مستنقعاتِ الانحطاطِ الأخلاقيّ تصبحُ المواقفُ الوطنيّةُ الشريفةُ وأصحابُها، عُرضةً للتصويبِ والقنصِ. في هذا الزمن تكثرُ الهَوامُ فوق هذه المستنقعاتِ ذاتِ الروائحِ الكريهةِ العفنةِ، فتسعى إلى الإيذاءِ والأذى، وهذا هو طبعُها وطبيعتُها.
المثقّفون الوطنيّون، الذين أعلنوا راياتِ الدفاع عن وطنِهم، موقفاً وكلمةً، عشّاقُ الحريّة والحقّ الحقيقيّون، الذين رفضوا أن يكونَ الدمُ السوريّ ثمناً لأحلامٍ وأوهامٍ تاريخيّة، قد قالوا كلمتَهم، مذ بدءِ الحربِ على سورية، وأعلنوا أن الوطنَ فوقَ الجميع. هؤلاء المناضلون السّاعون لإعلاءِ كلمةِ الحقِّ، من أجلِ الحقيقةِ وحدَها، ومن أجل الوطن وحدَه- في بسالتِهم الدؤوبة والمُستدامة وغير المنتهيةِ، والتي لا تعترضها لحظاتُ يأسٍ وإحباطٍ- هؤلاء لا يُماثلون غيرَهم، ولا يقارَنون بغيرِهم ممن أرادوا حجبَ الحقيقةِ عن أعينِ الناس، لا بل وحرّضوا على أن يكونَ الكذبُ والتدليسُ شعاراتٍ لهم يحملُها تابعوهم في "مظاهراتِهم" التي أجهروا فيها بعُقمِهم وعفنِهم الأخلاقيّ. ولهذا نراهم اليومَ، أيّ أولئك المثقفّين الوطنيين، بعد انتصارٍ للموقفِ الوطنيّ الأخلاقيّ للوطن والمواطن السوريّ ولهم لأنهم حاملو هذا النصرِ إلى شاطئه، يتعرّضون للتصويبِ من أصحابِ البنادقِ الصدئةِ المهترئة، ممن يروّجون لبضائعِهم الرخيصة، في انحيازاتهم الضيّقة والمُبتذلة، فنراهم يجاهرون بفكرِهم القذر، ويهاجرون به في ابتذالٍ، وضِعةٍ، أساسُها لؤمٌ وخسّةٌ ودناءة، هذه الخسّةُ قد تسمح لهم، بعضَ الوقتِ، بالسطوِ على كلِّ القيمِ والمبادئ، لأجل إصابةِ محبّي الوطنَ، محبّي الحقيقة الذين هم، فيما ينادون إليه من شعاراتٍ، وفيما يقومون به من أفعالٍ، مناراتٌ يهتدي الأحرارُ الشرفاءُ دوماً بنورِها! وما أسطع ذاك النورَ الذي يطغى على الظلامِ والظلمة، ولكنَّ هذا السطوَ على القيمِ التي لا يمتلكونها، تكشفُ حقائقُه ويدانُ في أروقةِ العدالة.
في هذا الزمنِ الرديءِ، سلوكاً وتصرفاتٍ، قوّضتِ الحربُ الروادعَ الأدبيّة، والقيمَ الساميّةَ والنبيلة، ولهذا حريٌّ بنا أن نسمّيَ هذا العصرَ بعصرِ آدابِ السلوكِ الرديئة والأخلاقِ السّيئة. فقد أعلن البعضُ أنَّ من حقِّهم اختيارَ قيمِهم الخاصّة، لذا جهروا بإعلانِها، لا اليومَ وحسب، بل منذ بدءِ الحربِ على سورية، حتى ولو كانت هذه القيمُ، ضدّ القيمِ الأصيلةِ والأخلاقِ والمبادئِ والحقِّ، اختاروها تماماً كما يختارون مشترياتِهم من السوبرماركت.
حين أطلّت الحربُ برأسها الأفعوانيّ منذ ثماني سنواتٍ، أطلَّ هؤلاء معها، ليلتفوا حولَ بعضِهم، وحولَ المبادئِ والقيمِ الوطنيّة ليهصروها، ويمتصّوا دمَها، ويفصفصوا عظامَها، وليقدِّموا مفاهيمَهم عن "الثورة السوريّة" كما تحلو لهم، وليقِفوا مع محرِّكيها في الداخلِ والخارج.. أعلنوا مواقفَهم الصريحةَ الوقحةَ تلك، في الوقتِ الذي بدأ فيه الدمُ السوريُّ ينزُّ من جسدِ الوطن، لم يرعهم هذا المشهدُ المنافي لكلِّ القيم، فليس الوطنُ هو المقياسُ لديهم، بل تحقيق مآربِهم وأهدافِهم هو الهدفُ، ففي أدبيّاتِ فكرِهم أنَّ لكلَّ هدفٍ مسعى وطريقةً وشيطاناً، حتى ولو كان معبّداً بدمِ الآخرين، فـ"للحريةِ الحمراءِ بابٌ، بكل يدٍ مضرّجةٍ بالدمِ يُدقُّ" ولكنَّ أبوابَهم التي تُفتحُ على "حرّيتِهم" كانت كلمةُ سرِّها، الدّمُ السوري، فعيونُهم لا ترى إلا لونَ الحريّةِ المضرّجِ بالدماء، للحصولِ على اللآلئ والكنوزِ، وليُسفك الدّمُ السوريّ إذن وفقَ ذريعتِهم، وصولاً إلى حريتِهم المزعومة التي يفتقدون إليها.
وحين لاحت بشائرُ النصرِ، أحبطهم مشهدُ الانتصارِ، ولكنهم لم ييأسوا لأنّهم كالثعابين، فخرجوا من جحورِهم في ظلمةِ الليلِ، بعد أن بدَّلوا جلودَهم لتجميلِها؛ لينفثوا سمومَهم على من يرونهم أعداء لهم ممن يشكِّلون خطراً عليهم وعلى وجودِهم وعلى مصالِحهم الضيّقة. فهدفُهم ليس انتصارُ الوطنِ، لأنَّ في انتصارِه خسارةً وفشلاً وإحباطاً لهم، وإنما انتصارهم يكمن على أعدائِهم من أبناءِ الوطن الذين يخالفونهم في الاتجاهِ الإيديولوجيّ والوطنيّ، فاختاروا طريقاً آخر، وهو النيلُ من كلِّ من خالفَهم من أولئك الوطنيين الذين أطلقوا رصاصتَهم الأولى المدويّة في الفضاءِ السوريّ، مذ بدء الحربِ، ليقولوا: لا للثورةِ المزعومةِ، ولا لسفكِ الدّم.
ولم تنتهِ الحربُ على ما يبدو، إذ بدأت اليومَ عبرَهم، عبرَ عبيدِ "الثورةِ" وعشّاقِها، ليعلنوها حرباً طاحنةً على الوطنيين الذين لم يصفّقوا لثورتِهم ولم ينضووا تحتَ لواءِ فصائلِهم غيرِ المسلّحة، بدأت عبرَ تلك الثعابينِ التي عادت إلى الواجهةِ بكل صفاقةٍ؛ لتَظهرَ وتقولَ أننا ننتصرُ على بعضِنا، لا ننتصرُ مع بعضِنا، وأنَّ أيَّ انتصارٍ، هو على من يُرهبنا بمواقفِه وقامتِه الوطنيّة، لا على الإرهابِ نفسِه!!.
ظهرت تلك الثعابينُ، كما ظهرتْ حقيقةً، ذاتَ يومٍ، في مدينةِ حلب وشوارعِها، ورآها أناسٌ بأمِّ أعينهم، لتتسللَ إلى البيوتِ بعد أن خرجت من جحورِها، وظهرت أشباهُها بكلِّ صفاقةٍ ووقاحةٍ حين انقشعُ الخطرُ عنها، لتتلوّى بشعاراتٍ مزيفةٍ، ظاهرُها حقٌّ، وباطنُها باطل، تتبجّحُ بشعارِ عدمِ التطبيعِ مع العدوِّ الإسرائيليّ، وهي المطبّعةُ مع فكرِ ذاك العدوّ، هذا الأمرُ حصل في ميادين الوطنِ كلِّها، فما زلنا نشتمُّ الروائحَ الكريهةَ التي فاحت بها مستنقعاتُ الفكرِ والأدب، ونسمع صوتَ الفحيحِ بين الجحورِ، كما نسمعُ أصواتِ القذائفِ والصواريخِ ممن ما يزالون ينتهزون الفرصَ للانقضاضِ على الوطن، تلك الأصواتُ التي لا تختلفُ عن قذائفِ الموتِ التي نالت من مدنِ سورية وشعبِها، لذلك لابدّ من إعلاءِ صيحتِنا، صيحةِ الحقِّ، أن أوقفوا هذا الفحيحَ، وهذا التستّرَ خلفَ الشعاراتِ المزيّفةِ، تلك التي يطلقُها المزيَّفون والمزيِّفون عبرَ غيرِ وسيلةٍ، وأخصّها وسائل التواصل الاجتماعيّ! وليكن شعارُنا نحن شعارَ (ثقافة التنوير) لننقضَّ من خلالِه على من نادى بهذا التنويرِ غيرِ الحقيقيّ.
هذا ما حصل بعد انتصارِ الموقفِ الوطنيِّ الأخلاقيّ الناصعِ البياضِ، ولكن ما يحصلُ في هذا الزمنِ أيضاً، زمنِ ما بعدَ الانتصارِ المدوّي، أن يكونَ فعلُ رصاصاتِ البنادقِ المهترئةِ لذوي الشعاراتِ المزيّفةِ الزائفةِ، كفعلِ وصدى القنابلِ الصوتيّةِ غيرِ المُحدَّثة تقنيّاً وقتاليّاً!!.
رقم العدد 15608