الثقة بالنفس : صعودٌ فوق المصاعب

الجماهير ـ الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة
يحتاجُ الإنسان دائماً ليُقوّي كيانه ويزيد من ثقته بإمكانياته ليستمرَّ في هذه الحياة؛ وهذا الأمر أقربُ إلى الاكتساب منه إلى الطبع، ولكي يتعلّمه ويحوز ثمراته لا بدَّ أن يعلم الفرق بين الثقة بالنفسِ والغرور.
فالثقة بالنفس هي معرفةُ قدرتها وامتلاك ناصية تلك القدرة؛ واستخدامها بالشكل الأمثل لتحقيق الإرادة والوصول إلى الغاية التي تصبو إليها.
وأما الغرور فهو إساءة استعمال قدرات النفس والنظرُ إليها على أنها أرقى من غيرها، وهذا هو سبيل التكبّر الذي تنأى عنه الإنسانية الحقّة، وتنهى عنه الشرائع السماوية جمعاء.
وتُعتبرُ الثقة بالنفس فرعٌ عن الثقة بالله سبحانه وتعالى فالإنسان عندما يثق بربّه يثقُ بما منحه من الصفات الإيجابية والأخلاق الصالحة، وليست الثقة بالنفس ابتعاداً عن نهج الصلاح أو تنكُّباً لسبيل التقوى والفلاح.
وبهذا المعنى نوّه رسولُنا الكريم صلى الله عليه وسلم من خلال قوله: ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ) . رواه مسلم
ومن عناصر الثقة بالنفس معرفة إمكانات الواقع الذي يحيى به الإنسان ليتكيّف معه في أحلك الظروف، وليستند إلى مقوماته ويستثمرها، فمن عرف أن له إلهاً لا يخذله لا يخاف من اقتحام الصوبات، ومن علم أن له أشقاء يساندونه في العمل لا يخشى ضخامته، وقائد الجيش إن علم أن معه جيشاً قوياً لا يخشى المعارك، وهكذا...
ومما يُحكى عن الثقة بالنّفس أن تاجراً قد أرهقته الديون وهدّت كاهله الهموم، وبينما هو يسير في شوارع المدينة دخل حديقةً عامةً وهو يُفكّرُ في وسيلةٍ للخروجِ من المأزق الكبير الذي وقع فيه وبينما هو كذلك ظهر له رجل عجوز وقال له: "أرى أن هناك ما يزعجك"، فحكى له التاجر ما أصابه، فرد عليه العجوز قائلا: "أعتقد أن بإمكاني مساعدتك" ثم سأل الرجل عن اسمه وكتب له " شيكاً " وسلّمهُ له قائلاً: "خذ هذه النقود وقابلني بعد سنة بهذا المكان لتعيد المبلغ"، وبعدها رحل العجوز وبقي التاجرُ مشدوهاً يقلب بين يديه شيكاً بمبلغ نصف مليون دولار عليه توقيع ( جون دي روكفلر) وهو رجل أعمال شهير كان أكثر رجال العالم ثراء (340) مليار دولار، ويعتبرُ ثالث أغنى إنسان في التاريخ.
أفاق الرجل التاجر من ذهوله وقال بحماسة: الآن أستطيع أن أمحو بهذه النقود كل ما يقلقني، ثم فكر لوهلة وقرر أن يسعى لحفظ شركته من الإفلاس دون أن يلجأ لصرف الشيك الذي أتخذه مصدر أمان وقوة له. وانطلق بتفاؤل نحو شركته وبدأ أعماله ودخل بمفاوضات ناجحة مع الدائنين لتأجيل تاريخ الدفع. واستطاع تحقيق عمليات بيع كبيرة لصالح شركته. وخلال بضعة شهور استطاع أن يسدد ديونه. وبدأ يربح من جديد.
وبعد انتهاء السنة المحددة من قبل ذلك العجوز، ذهب الرجل إلى الحديقة متحمساً فوجد ذلك الرجل العجوز بانتظاره على نفس الكرسي، فلم يستطيع أن يتمالك نفسه فأعطاه الشيك الذي لم يصرفه، وبدأ يقص عليه قصة النجاحات التي حققها دون أن يصرف الشيك. وفجأة قاطعته ممرضة مسرعة باتجاه العجوز قائلة: الحمد لله أني وجدتك هنا، فأخذته من يده، وقالت للتاجر: أرجو ألا يكون قد أزعجك، فهو دائم الهروب من مستشفى المجانين المجاور لهذه الحديقة، ويدّعي للناس بأنه " جون دي روكفلر".
وقف ذلك التاجر وقد اندهش وهو يفكر في تلك السنة الكاملة التي مرت وهو ينتزع شركته من خطر الإفلاس ويعقد صفقات البيع والشراء ويفاوض بقوة لاقتناعه بأن هناك نصف مليون دولار خلفه!
حينها أدرك أنّ النقود لم تكن هي التي غيَّرت حياته وأنقذت شركته، بل الذي غيرها هو اكتشافه الجديد المتمثل في (الثقة بالنفس ) فهي التي تمنحك قوة تجعلك تتخطى أخطر فشل وتحقق أعظم النجاحات .
وهناك مثل يتردد على ألسنة الحلبيين مفادُه ( قالوا لعنترة: كيف تقاتلُ ألفاً ـ أي من الرجال ـ فأجابهم: لأنَّ ورائي ألفاً) .
ورحم الله الشاعر المقنَّع الكندي حيث قال:
ولا تك ممَّن يُغلقُ الباب دونه ...
عليه بمغلاق من العجز مقفلِ
وَما المَرءُ إِلّا حَيثُ يَجعَلُ نَفسَهُ...
فَفي صالِح الأَعمالِ نَفسكَ فَاِجعَلِ
اللهمَّ عزز ثقتنا بأنفسنا، وارزقنا العزيمة على اجتياز الصعوبات يا أكرم الأكرمين.
رقم العدد 15663