هكذا حاربنا الحرب ونحاربها!


الجماهير- بيانكا ماضيّة

منذ يومين شاركت على صفحتي في موقع التواصل الاجتماعي فيديو مصوّر في مشفى ما، يظهر هذا الفيديو قيام الممرضين والممرضات وبعض الأطباء، كلّ واحد بدوره، بالرقص على أغنية في جناح المرضى، وإشراك المرضى معهم بالرقص أيضاً، وهم مستلقون في أسرّتهم، من خلال نقل الدور لهم بلمس اليد..
وبغض النظر عما إذا كان الفيديو من حلب أم لا، ومن مشفى حكومي أم لا، فأخال أن هذا الأمر ليس ببعيد، أو بكبير، على ممرضينا وأطبائنا، لأنهم بفعلهم هذا يداوون المرضى بطريقة أخرى، هي طريقة نفسيّة تدخل الفرح إلى قلوب المرضى الذين هم بحاجة ماسّة إلى هذه الحالة التي لها تأثيرها الإيجابي في شفائهم.
هذه الحالة رأيتها ذات يوم بأم عيني، وفي حلب أيضاً، ولكن منذ زمن بعيد. فقد كنت أزور إحدى قريباتي في المشفى، وما إن دخل الطبيب (ميروج) اختصاصي الأمراض النسائيّة والتوليد، الغرفة؛ حتى بدأ بالرقص والغناء لبث روح البهجة والفرح في نفس المريضة، فما كان من قريبتي إلا أن ضحكت كثيراً..
هذه حالة. وهناك حالة أخرى تمّت في حلب أيضاً إذ لا أنسى يوم أخبرني أحد الزملاء الصحفيين في بداية الحرب على حلب- وكانت القذائف والصواريخ قد بدأ الهمج الرعاع يطلقونها من أماكن شتى- أنه لم ينم ليلته، فأكدت له أن أصوات القذائف والرعب تجعل المرء لا ينام لياليه، فقال: لا.. ليس بسبب أصوات القذائف وإنما بسبب جيراني الذين كانوا يغنّون ويقرعون على الطبل! سألته: طبل أم طنجرة؟! ضحك، وأكد أنه طبل! استغربت الأمر في البداية، قلت: قد يكون لديهم عرس! عرس؟! وهم يسكنون في الشارع بعد أن تهدّم بيتهم؟! هنا عرفت أنهم قاوموا الألم والحزن بالغناء والعزف. وأسميت رقصتهم تلك بالرقصة الزورباوية، وما أكثر الرقصات الزورباوية التي رأيناها وسمعنا بها فيما بعد. كان الغناء والرقص الوسيلة الوحيدة للخروج من حالة الحرب، هو نوع من الهروب من واقع أليم مأساوي مدمّر للنفس الإنسانيّة، وهي نزعة الحياة التي تجري في العروق، تلك التي قاومنا بها نزعة الموت التي تتغلغل في شرايين وعقول الإرهابيين الهمج. ولا ننسى في هذا المقام ما قامت به نقابة الفنانين بحلب حين أحيت الحفلات والأمسيات الموسيقيّة في أثناء سنوات الحرب، وكان هذا العمل يسجّل لحلب وأهلها ضمن وقفة الصمود التي وقفتها وهي تحارب الإرهاب بالسلاح من جهة، وبالفن من جهة أخرى..
إنَّ عدونا يفرح حين يرى انكسارنا، وينكسر ويتحطم حين يلمس فرحنا وسرورنا، فلنرقصْ ونُغنّ.
رقم العدد 15872