الذراع الأقوى

الجماهير/ بقلم حميدي هلال
في تسعينيات القرن الماضي أنهى العم أبو بري " رحمه الله " خدمته الوظيفية في بلدية قريته .. أُحيل الى التقاعد بحكم السن ، كان بإخلاص يغوص في العمل إلى ركبتيه ، أعمال صيانة ، إصلاح ، حفر ، ردم ..وكنت أنا وقتها أدرس الصحافة في جامعة دمشق ، و" حامل القلم بالعرض " ، كلما رآني العم أبو بري يخاطبني : " اكتبها في الصحافة أستاذ ، محاسب البلدية أكل عليّ علبة سمنة و جزمة "..!! أضحك من كل قلبي متسائلا : يا أبو بري ، السمنة وفهمناها ، الجزمة كيف أكلها .؟؟ وأنا أعلم صدق كلامه ، وأن محاسب البلدية أكل عليه ربما أكثر من الجزمة ، والكثير من المستحقات ..
اليوم ..الطبقة العاملة تُستنزف في كل مواردها وامتيازاتها التي كنا نعتبرها في وقت مضى مكتسبات يحسد عليها العامل ، وكانت حالة الموظف مضرب المثل في عقود خلت ، لتتراجع تلك الحالة حتى أصبحت مضرب عصا تعلِّم في جنبات العامل أينما استدار .
ومنذ أن وعت أذني وبدأت أتابع شؤون العمال وخاصة المؤتمرات النقابية والمهرجانات العمالية والاحتفالات بأعياد العمال وأيام العمل التطوعية وأراقب الخطابات ، لم يخرج العمال من تلك الموالد ولو بحبة حمص إلا " بالتصفيق " .
ومنذ ذلك الحين وهم يمنحون العامل كامل مستحقاته من الوعود والشعارات والتصفيق دون أية مكاسب ملموسة تذكر ، فالعامل كالآلة ، ليس إلا أداة لجني الأرباح ، يدفع أكثر مما يتسلم ، حتى في معاشه الشهري مغبون ، لا يوازي قيمة أسبوع من عمله ، وفوق ذلك تكاد ضريبة الدخل أن تقصم ظهره ، بالاضافة الى تسقيف الراتب عند عتبة محددة للتوقف عن ترفيع العامل ..!!
الحديث يقودنا للتساؤل : ماذا قدمت النقابات العمالية على مدى عقود لعمالها ..؟؟ هل كانت نصيراً حقيقياً لهم في مختلف قضاياهم ..؟؟ أم مجرد أنها تخُط سطوراً في محاضر جلسات تبقى حبراً على ورق ليطويها النسيان في غياهب الأدراج..؟؟ أم تحولت مهامهم النقابية إلى إقامة المحاضرات و المعارض التشكيلية ، والمسارح ، والندوات ، والأمسيات والحوارات والأنشطة" اللاعمالية " ، ومن يطّلع على تقارير المؤتمرات النقابية السنوية يدرك ما أقول ، وحتى اليوم لم نستطع انتزاع حقوق عمالنا سواء في القطاع العام أو الخاص كما يجب ، ففي الخاص العامل يقضي أكثر من 12 ساعة عمل يقف على قدميه كالآلة ، لم يحظ حتى تاريخه ولو بالتأمين على معاش الشيخوخة ، أو تعويض نهاية الخدمة ، ويخرج غالباً " كصبي الحمام " .
منذ عامين طُرح قانون تثبيت العمال المؤقتين ، وتمت الموافقة عليه ، ثم نام في الأدراج ، لا نعرف الأسباب المانعة من صدوره ،رغم أن هذا المطلب تقليد سنوي وإرث عمالي ، وتحقق لمرات عدة ، و رغم تكرار المطلب في كل عام ، لم تتوفر الإرادة الكافية في تجاوز هذه الاسطوانة من خلال العمل على تعديل قانون العاملين الأساسي بحيث يجيز تثبيت العامل بعد مضي عامين أو أكثر دون انقطاع في عمل دائم..
ما الضرر في تأمين معيشة العامل ، أن يشعر بأمان الشيخوخة ولو بمعاش تقاعدي يسد قليلا من الرمق ، أن يتخلص من سيف الفصل أو التسريح التعسفي ، أن يأخذ حقوقه في الترفيعات والإجازات السنوية والتعويضات ..
في الخطابات العامل أخذ كل المكاسب ، لكن الواقع غير ذلك ، حتى أنظمة العمل بمسمياتها المختلفة نجد أنها أنها تهضم حقوق العمال " مياومة ، فاتورة ، بونات ، عقود موسمية ، عقود عرضية ...وكلها تنتهي بالتخلي عن العامل " ربي كما خلقتني " ، بلا تعويضات، أو تأمينات ، أو " الله يعطيك العافية " .
دعونا نتذكر معاً سنوات الأزمة ، وكيف كانت الطبقة العاملة الذراع الأقوى و الرديف للجيش العربي السوري التي أمسكت بدعائم مؤسسات الدولة ومنعتها من السقوط ، مع العلم أن العامل كان دائما في فم الخطر بذهابه وإيابه ، و الكثير تعرض للخطف و الاعتقال والذبح ، واستشهد الكثير في مواقع العمل ، ليس لشيء سوى أن تهمته " ابن حكومة " ..!!
أعرف أن أكثر الذين يعنيهم هذا الكلام بشكل مباشر لا يجدون الوقت الكافي ليقرؤون ، ولا ليتابعون ، وبالتالي ، فإن قلة منهم ستقرأ هذه السطور ، ولا يحدث ذلك بسبب الأمية كما يمكن أن يتبادر للذهن ، قلة في بلادنا لا يعرفون القراءة والكتابة ، وإنما يحدث لأنهم لا يجدون كما قلنا ما يكفي من الوقت لإشغال أنفسهم في تلك " الأمنيات ".
رقم العدد ١٥٨٤٨