لست إلا كائناً هشّاً !.

الجماهير - بيانكا ماضيّة
أيُّ مقاتلٍ غير مرئي أنت يا أيها الهمجيّ العبثيّ؟!، موتُك رخيصٌ ولكنَّ هجومك العالمي باهظٌ جداً، سنفتكُ بك قبل أن تفتكَ بنا، فأنت لست إلا كائناً هشّاً.
ولكن كيف نصدّ ونقاوم هذا المقاتل (كورونا) الذي أثبت، رغم هشاشته، أن بإمكانه القضاء على الملايين من البشر؟!
ما إن أُعلن (حظر التجول) حتى رأينا اختلافاً في طريقة التعامل مع هذا الوباء الجديد، ليس على المستوى المحلي وحسب، بل على المستوى العالمي أيضاً. ولكن سأتحدث عما رأيناه في مدننا السورية، إذ أن الكثير التزم بالتعليمات الصادرة عن الحكومة، بكل مايتعلق بضرورة الالتزام بالمنازل، وبالإرشادات الصحية لمقاومة انتشار الفيروس، والبعض الآخر عدّ الأمر وهماً وأمراً لايستدعي أيّ قلقٍ، فكان لامبالياً مستهتراً وكأن الموت ضيف طارئ وسيمضي دون أن يقترب منه!
ماشهدناه خلال اليومين الماضيين هو أن أغلب الناس اتجهت نحو الأسواق والمحال للتبضّع بما أمكن التبضّع به، وكأن الأسواق ستغلق أبوابها ولن يرى أحدٌ فيما بعد محلاً مشرعاً أبوابه..حتى أن أحد الزملاء قال لي: شعرت أننا في "وقفة العيد"!!.
"وقفة العيد"! يعني أن الأسعار سترتفع وأن هناك محلاتٍ ستغلق، كما اعتدنا، ولهذا اندفع الجميع للتبضّع، ولكن ألا يوجد مايسمى "وقفة مع الذات" وقفة يكون فيها العقل مسيطراً لا الغرائز ؟!
ذكّرني هذا الأمر بما حصل في بداية الحرب، إذ أن الأغلبية اتجهت نحو السوبرماركات والمحال والأسواق لتخزين المؤن والمعلبات والمواد الغذائية مما أفقد الأسواق من بعض هذه المواد، ولكن ماذا حصل في النهاية؟! لم يمت أحدٌ من الجوع بسبب قلتها، بل على العكس كان كل شيء متوفراً، وكانت البدائل متوفرة، حتى في أحلك ظروف الحرب، ولكن الموت كان يتربّص بنا من خلف قنّاص أو من جراء قذيفة أو صاروخ!.
ولكن (كورونا) هذا القنّاص الجديد، أيّ ستار يحجبه عنا كيلا يطلق رصاصته باتجاه رئاتنا؟! إنه ستار الأخلاق والوعي!.
الحرب علّمتنا أن الأنانية تزيد الطين بلّة، ومن يمتلك الوعي يستطيع خوض أكثر الحروب شراسة، فالأخلاق والقيم هي التي تنتصر في النهاية، والأمثلة كثيرة لما حصل معنا أثناء الحرب، وجميعها يؤكد أن لا حلّ لأي مشكلة إلا بالإيثار والتعاون والمحبة والوعي والأخلاق.
إن الوعي في هذه الحالة هو الأمر الصادق والضروري الذي يقود المجتمعات إلى سلوك حضاري حكيم، فما حصل في أمريكا أو في بعض البلدان الأوروبية التي تتغنى حكوماتها بأنها دول حضارية، وتهافت الجميع على السوبرماركات ونشوب المشاجرات فيما بين البعض من أجل (ورق تواليت) يشير إلى أن القيم والحضارة التي تتغنى بها هذه الشعوب سقطت عند أول امتحان لها في هذا الوباء، ولكم أن تتخيلوا لو أن هذه الشعوب هي التي تعرضت لسنوات من الحرب، كما حصل معنا نحن السوريين، فماذا كان سيحصل؟!
لنكن حضاريين وواعين لهذا الطارئ الجديد، نعم إنه طارئ إذ باستطاعتنا الفتك به قبل أن يفتك بنا، بسلاحٍ امتلكناه منذ غابر السنين، وهو الحضارة والقيم، ولتكن جولتنا اليوم هي الجولة التي يجب أن يأخذ منها العالم أجمع دروساً لاتنتهي، كما كانت دروس الحرب العسكرية التي قدمها جيشنا العربي السوريّ، إنها جولة النصر على فيروس، سنقول عنه يوماً (كان) اسمه كورونا!.
رقم العدد ١٥٩٨٩