الطمع وقود الأزمات

 

الجماهير.. بقلم: الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة

مَا أَحْسَنَ الصَّبْرَ فيما يَحْسُنُ الجَزَعُ
وأَوْجَدَ اليَأْسَ مَا قَدْ أَعْدَمَ الطَّمَعُ
فإِن خَلَتْ للأَسى فِي شجوها سُنَنٌ
فطالَما أُحْمِدَتْ فِي كَظْمِها البِدَعُ

هناك أمراض حسية إذا ابتلي بها الإنسان أفسدت عليه جسده وحرمته الصحة بل وربما الحياة، فلربما أُصيب بالمرض فاستدعى ذلك المرض أمراضاً أُخرى فأنهك القوى.
وهناك أمراض نفسية إذا ابتلي بها الإنسان أفسدت عليه أخلاقه وحرمته الطمأنينة والسكينة بل وحرمته النعيم الحقيقي في الدنيا والآخرة.
من تلك الأمراض النفسية مرض الطمع، هذا المرض الذي ينخر في قلوب الناس فلا يدع لهم قاعدةً ولا أساساً، فيصبحُ رائدهم طلب الزيادة، ومهما جمعوا لن يحصلوا على السعادة.
لذلك نقرأ في السنة المطهّرة كيف استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من طبع يسوق إلى الطمع فقال: (اللهم إني أعوذ بك من طبع يهدي إلى طمع) رواه البيهقي في الشعب.
إننا إن نظرنا في سيرة الإنسان الطمّاع سنجده قد يسلك سبيل الكذب ليحصل على مطمعه، وقد يسلك سبيل الخداع والخيانة ليحصل على مطمعه، وأكثر من ذلك قد ينتهج السرقة طريقةً لتحصيل مطامعه.
صاحب الطمع شخص فاقت أنانيته الحدود؛ وكسر من أجل غايته كل القيود، فهو ذو غيرة مرضية، وكثيراً ما تجده حقود وحسود، بخيلاً بل إن الطمّاع فقير النفس دنيء التطلعات ذو همة رديئة وقد قال صلى الله عليه وسلم مُحذراً من هذا المرض (وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين.
ولمرض الطمع أسباب تدفع إلى الإصابة به وتُفَشّيه في النفس البشرية أهمها: التطلع إلى ما في أيدي الناس من مال أو جاهٍ أو سلطان، ولذلك نقرأ في القرآن الكريم كيف أن الله تعالى يُحصِّن نبيه صلى الله عليه وسلم من هذا الأمر فيقول سبحانه: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131]، ولذلك كان الحض على الزهد من أساسيات اكتساب المحبة لدى الله تعالى ولدى الناس، وهذا ما يبينه ويؤسس له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّكَ الناس) رواه الحاكم في المستدرك.
ونحن في أيامنا هذه نعيش أزمةً في وطننا الحبيب أظهرت معادن الناس وأبرزت كتائب الطمّاعين والجشعين الذين استمرؤوا عذابات الناس وآهاتهم في سبيل ملئ الجيوب وزيادة الثروة؛ فكانوا بحق وقود الأزمة ومحرّك المحنة، ولعله يجدر بنا أن نُذكر هؤلاء بأن طمعهم لن يفيدهم وأن جميع ما جمعوا من أموال إنما هو إلى زوال لأن:
أموالنا لذوي الميراث نتركها....
ودورنا لخراب الدهر نبنيها
لا دار للمرء بعد يسكنها...
إلا التي كان قبل الموت بانيها
فمن بناها بخيرٍ طاب مسكنه....
ومن بناها بشرٍّ خاب بانيها

ليس كلاماً نظرياً ما سبق تقريره بل هو ما صدّقه الواقع وحكاه التاريخ فكم رأينا وسمعنا عن أموال الطامعين كيف ذهبت أدراج الرياح ولم يبقَ منها غير الوزر والعقوبة والمسائلة بين يدي قيوم السماوات والأرض سبحانه.
ورغم أن هذا الواقع الذي نعيشه قاسٍ على شعبنا العظيم غير أنه في نفس الوقت يمثّل مزرعةً للخيرات، فالصابرون لهم البشرى، والشاكرون لهم البشرى، والمحسنون الذين يزرعون الخير في مجتمعنا، ويبذلون الجهد في مساعدة المحتاجين لهم الأجر العظيم في الآخرة، والمقام الكريم في الدنيا.
فلنطمع ولكن بما عند الله عز وجل لأن {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل:96] وسبيله الاستكثار من الأعمال الصالحة.
اللهم إنّا نعوذ بك من علمٍ لا ينفع، وقلبٍ لا يخشع، ونفسٍ لا تشبع، ودعاءٍ لا يُسمع، أصلح لنا شأننا، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا كريم.
رقم العدد ١٦٠٤٢