المتسلقون و المرتزقة ..

الجماهير / بقلم حميدي هلال

نكزتني أم العيال لتقطع عليّ شرودي وهذياني ، سألتني فيما إذا كنتُ " صافناً " أفكر بالدنيا ..؟ قلت لها بل يبدو أن الدنيا هي من تفكر بي ، قالت : و تظن نفسك قد أصبحت المتنبي مالىء الدنيا وشاغل الناس ..!!؟ وبدأت أم العيال تتنمر عليّ من كل الجهات ، رويت لها ما حدث معي اليوم ، و ما يجول في خاطري أن أفعله عند أحد الطوابير ، اتهمتني بالجنون وحذرتني .
اليوم تعلمت درساً في فنون التسلق على أكتاف الآخرين ، وجدت نفسي مضطراً لذلك ، بعد أن يئست من الصعود الى السرفيس ، راقبت بتمعن عملية " المطاحشة والمدافشة " ، الفوز بمقعد في السرفيس للأقوى والأقدر ، ولعديم الأخلاق ممن لا يعير النساء وكبار السن احتراماً .
لم أجد أمامي سوى التفكير بطريقة ذكية تجعلني أتبوأ مقعداً بسهولة ، " اقتنصت " فرصة وجود شخص قوي البنية ، عريض المنكبين طويل القامة ، يضج بروح الشباب ، ظهره يعادل مساحة ٣ دونمات ، ورأسه لا ينقصه سوى قرني ثور ، ومع أول هجوم على السرفيس ركضت خلفه ، تلزمته من خاصرته بقوة، ألصقت صدري بظهره ، ووضعت رأسي بين كتفيه ، وقلت يا الله ، ما شعرت نفسي إلا وأنا داخل السرفيس ، على مقعدي ، محاطاً بعناية فائقة ، شيء مثل الحلم ..؟؟
هكذا زحمة الحياة ، سرقت منا كل شيء جميل ، وشوهت القيم الإنسانية التي تربينا عليها ، خلقت عداوة حتى مع أنفسنا .
كم من المتسلقين على أكتاف الآخرين ، يزاحمون أبناء البلد في الطوابير على مخصصاتهم اليومية المشروعة من زاد الدنيا..!!
مشهد يومي يتكرر في طريقي الى عملي ، تمنيت لو صافحت الجميع في أحد الطوابير التقليدية بحرارة ، واحداً تلو الآخر ، يداً بيد ، رجال ، نساء ، صغار ، كبار ..أشد على أياديهم بقوة لأقول لهم : حماكم الله من المتسلقين ، أنتم أبناء البلد ، و أنتم من يستحق التحدث باسم الوطن ، وما عداكم ليسوا إلا مرتزقة ..
اليوم مشكلتنا الرئيسية مع صناع الأزمة وقوى الفساد والمرتزقة ، الأزمة غربلت الناس ، وفرزت بين ابن البلد الحقيقي وبين المرتزقة ، فأظهرت أن الوطن لا يعْمُرهُ إلا من آمن به من الشرفاء الذين يدفعون اليوم ثمن إخلاصهم فاتورة باهظة تصرف من حساب كرامتهم على قارعة الطوابير .
فتشوا عن أبناء البلد الحقيقيين تجدونهم في الطوابير ، ومن هو خارج الطابور فليس منا حكماً .
وباعتراف رسمي ، فإن الوزارة المعنية بحماية قوت الشعب تقر وتعترف في كل مناسبة بوجود المتلاعبين بقوت الشعب والمحتكرين للسلع والمضاربين فيها، فاستفحل الغلاء بالناس وتضاعفت الأسعار بعوامل بعضها ما يخضع لمنطق الاقتصاد والسوق وبعضها لا يمت للمنطق بصلة وليس له ما يبرره.
إذاً ثمة أزمة اقتصادية كبيرة تضغط على الحكومة والمواطنين على حد سواء، ولو نظرنا بعمق إلى المشكلات والأزمات المتتالية، لوجدنا أنّ جُلها صناعة محلية ، تصنعها وتديرها قوى خفية ، وحفنة من المرتزقة بلبوسات مختلفة ، تلك القوى قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص ، ولديها طرق متنوعة للحصول على المكاسب و الربح ومراكمة الثروة .
الأزمة بكل أسف كشفت عن كم كبير من النفوس المتعفنة ، والمتسلقين ، لم نكن نشعر بهم ، علماً أنهم كانوا يعيشون بيننا وتقاسمنا معهم الخبز والملح ، لكن السنوات التي مرت كشفت حجم تغلغل وهيمنة هذه الفئة في عملية صناعة الأزمة ، فما من أزمة تنتهي حتى ندخل في نفق أخرى ، فأصبح لدينا غزارة في صناعة الأزمات .
طوبى لكل الشرفاء الذين لا يزالون يحملون الوطن في مآقيهم ورموشهم ، أولئك الذين لم يسرقوا ولم ينهبوا ولم يتسلقوا ولم يقايضوا القيم الجميلة بكل أموال الدنيا ، ولايزالون كذلك ، أبناء بلد لا مرتزقة .
- مثل صيني يقول : لتكن جميلة أو قبيحة فهي بلادي ، وليكن قريباً أو بعيداً فهو ابن بلدي .
رقم العدد ١٦١٩٨