ويتفـــــكرون

بقلم عبد الخالق قلعه جي

لم يكن صندوق فرجة، ولم تكن السينما المحمولة، تلك السلة وقد ملأتها بين رمضان والفطر، تفاصيلُ زيارات ومشاوير إلى معظم أحيائها، ورحلات إلى مدينة حلب القديمة سيراً على أقدام ... و يتفكرون

لا كعك العيد كان أحد الصور، لا المعمول حتى ولا الكرابيج .. ولعل انتقائيتها جعلت عدسة النفس والروح لدي تمضي بعيداً إلى أقاصيها فتبسط وتحلل وتركب وتسري بها إلى مخابر حلم عساها تكون حقيقة .. طيف حقيقة أو كيف شاءت أن تكون.

في الطريق إليها مررنا بسوق الهال القديم، الذي يقوم من جديد إنما متحولاً ببرنامجه الوظيفي إلى سوق آثاري سياحي، يستقبل الزائر إلى حلب والداخل إليها من الجهة الغربية عبر باب أنطاكية أحد أشهر أبواب حلب القديمة الذي رد كل عاديات الزمان.

بكل الشوق الطافح ندنوها داخلين .. عشرة أمتار بعد الباب على اليمين، يرتد بصرك من علٍ وهو حسير...هنا كانت تلك الـ ( كله ) وسلسلة التاريخ المجدولة حروفها، وهي تحكي قصة معروف صاحبها محبة وقوةً واقتدارا.

نصافح مسجد الشعيبية، ونعبر السوق المستقيم التتن، البهرمية فالسقطية وتفرعاته يمنة ويسرة ساحة الفستق، سوق الجمرك وخانه، سوق الحرير وسوق الحدادين .. الجامع الأموي، الزهراوي وسوق النسوان .. زوار وزبائن ومحال تعود من جديد وأخرى تنتظر لتقوم وتتابع دورة الحياة في هذه المدينة.

كالمشوق المستهام أسافر مني إليك ، أنت يا سيدتها، وكل حجرة فيك تغني الحكايا وشال الحرير.. ويطوف المُعَنَّى هائماً، ظمآناً والكأس في يديه، يملأ العين سناءً و سنا وكأنه لأول مرة يراك.

تحار كيف تتخذ السبيل إليها ... متابعاً إلى سوق زربها، أم تنعطف مع عقارب الزمن وتَسْتَيْمِنَ الجامع الكبير فخان الوزير، لتستقبلك تلك البهية العصية، التي شاخ الزمان وظلت في صباها.

ولعلها غدت واحدة من أجمل طقوس العيد وأيام العطل .. يشدون الرحال إليها.. إلى قلعة حلب يؤدون فريضة العشق .. زرافات ووحداناً.

يجتاحك عبق التاريخ وجلال الطلعة، وتمر أمام ناظريك وجوه تخالها حبات زعتر وأوراق غار ..وجوه مسفرة ناضرة ضاحكة مستبشرة .. وأخرى صاعدة لاهي منه ولا هو منها، غريبة كحشائش طفيلية ضارة صارت من بذور ضالة، فأفسدت الصورة والمشهد والحال.

في تفاصيل الزحمة وأوراق العيد، وبعض ما تيسر من كعكاته وأقراص عجوته، لن أنسى شجيرات الأمل التي تسقي نسغَها بيوتٌ ومدارس .. ربوتيك وأولمبياد ورواد .. شوفوا بلدي .. بكتب اسمك يا بلادي وحماة الديار.

وكما سلبت سعاد من العيون رقاد، فقد سلب أهليهم على المدرجات من المحبين عقول .. أولئك الواصلين أعلى مراتبها محبةً، وعلى المُرَّة قبل الحلوة وفاء وانتماء .. لوحة عشق، يا ليتها تُسْتَنْبَت ويا ليت فيها يتفكرون، وعن كيف لا تسل ولاعن لماذا .. فقد جفا شوقي مرقده ...
ويقول تكاد تجن به ... فأقول وأوشك أعبده.


بإمكانكم متابعة آخر الاخبار و التطورات على قناتنا في تلغرام ⯑⯑
https://t.me/jamaheer