مربيات الأطفال في المنازل..." بريستيج " الأسر الراقية أم حاجة ملحة؟ .. الطفل يتأرجح بين افتقاد حنان الام وتسطيح المربيات. ؟؟!! متخصصون : لابد من ضوابط لتجنب آثارها السلبية

 

الجماهير – جراح عدره

بين يدي الطبيب المختص وهو يخضع لجلسات الارذاذ ينادي : أريد فاطمة .. أريد فاطمة ، (سامي طفل بعمر الخمس سنوات ارتبطت مشاعره وعواطفه بمربيته فاطمة ظناً منه أنها أمه منذ كان عمره سنتين لتبدأ أزمة سامي النفسية عندما قررت مربيته ترك العمل.

فقدان فاطمة ترك الأثر الأكبر لدى الطفل سامي فالحب والحنان واللعب وتقديم الوجبات الغذائية وكل شيء يسعده لم يعد يتقبله من أحد حتى من أمه التي كان لاستهتارها بنتائج تخصيص من ينوب عنها في تقديم الرعاية لطفلها وفي معظم الاوقات السبب الأقوى بتحطيم نفسيته والتي أصبح علاجها ليس سهلاً .

نقل سامي الى المشفى علماً أنه يعاني من مرض الربو ونتيجة صدمته النفسية تأزمت حالته والتي أصبح علاجها مرتبطاً بعودة فاطمة .

ظاهرة تخصيص مربية للطفل انتشرت بكثرة في مجتمعنا اعتقاداً من بعض الأسر التي ترى نفسها من - الطبقات الراقية أو المخملية - وأن تخصيص مربية لأطفالهم بادرة عظيمة يقومون بها تجاه أطفالهم من أجل تعويض غيابهم عن المنزل بسبب انشغالهم بالعمل أو تقيدهم بمواعيد المناسبات التي لابد من الاحتفال بها برفقة الأصدقاء الذين هم من نفس الطبقة المخملية ذات المستوى الاجتماعي والمادي المرموق أو لأسباب أخرى ، متبعين أساليب تربوية خاطئة مع اطفالهم دون أن يدركوا حجم الكارثة الناجمة عنها في تحطيم نفسيتهم وشخصيتهم .

وحول تعرض الاطفال لمشاكل نفسية ناجمة عن غياب الاهل عنهم لأسباب متعددة متعلقة بالعمل أو السفر أو المناسبات الخاصة وتخصيص جليسة للطفل أو ما يسمى مربية تعددت اراء المختصين ووجهات نظرهم .

ظاهرة قديمة

دكتورة علم النفس شيماء دلي الأستاذة في كلية التربية ترى أن هذه الظاهرة ليست جديدة وموجودة منذ تاريخنا القديم وهي وجود المربي إلى جانب الوالدين لكن الخطورة في تخلي الوالدين بالكامل عن دورهما التربوي والنقطة الأخرى أنه قديماً كان يتم انتقاء المربي وفق معايير وأسس قائمة على استقامة السيرة وموسوعية العلم ، أما اليوم تقريباً لا وجود لمعايير محددة لاختيار هذه الشخصية التي تحاكي الطفل بل يبحث الوالدين عن الأجر الأرخص في اختيار المربية.

وتشير دلي إلى خطورة تقمص الطفل لشخصية المربي بكل ما يحمل من معايير وقيم أخلاقية وعادات سلوكية والنقطة الاخرى هي احتمال مفارقة الطفل للمربي وهنا يعيش الطفل قلق الفصم أو ما يسمى ( الفطام) وبدوره سيعاني الطفل من صعوبات تكيفية في حياته فيصبح اقل ثقة بالعالم الخارجي .

توجيه القهر الاجتماعي نحو الأطفال

أما عن الاختلاف الحضاري لشخصية المربية تقول الدكتورة دلي: هذا من شأنه أن يخلق جيلاً غريباً عن عادات وتقاليد البيئة الاجتماعية للطفل مشيرة إلى ضرورة الانتباه لحالات العنف والعدوانية والضرب التي يتعرض لها الطفل من قبل مربيته في فترات غياب الوالدين خارج المنزل فهي تلجا لهذا الأسلوب كونها شخص " مهان " يتحمل فوق طاقته من أجل المال وهنا تمارس المربية ما هو معروف بعلم النفس بـ (الإزاحة) الذي هو وسيلة دفاعية تعني توجيه الانفعال نحو موضوع جديد مغاير عن الموضوع الأصلي وتفرغ ما تشعر به من قهر في الطفل الذي هو أدنى منها قوة ومكانة لذلك يتعلم منها الطفل العدوان بالعدوان.

تغيّر نمط الحياة فرض الاستعانة بالمربية

ويقول الدكتور مروان دويعر رئيس قسم تربية الطفل (معلم صف) : هناك تطورات متسارعة في حياة الإنسان نتيجة ازدهار ونمو مستواه الاقتصادي والمعيشي لكنها تترك كثيراً من الآثار السلبية وخاصة أن الإيقاع الحياتي اليومي للفرد قد تغير مما أجبر الامهات الاستعاضة عن أدوارهن وواجباتهن بالاستعانة بالمربيات والمقيمات لأغراض مختلفة افضلها مر .

ويضيف الدكتور دويعر : تعودت الأمهات على زيادة حجم الادوار المناطة بالمربيات وخاصة الادوار المؤثرة في شخصية وتكوين الطفل النفسي والتربوي منوهاً إلى أن الأمهات في أفضل دول العالم (اليابان) يرفضن فكرة الاعتماد على المربيات وذلك لتفهمهن العميق لدورهن الأساسي في تكوين شخصية أطفالهن .

وينصح الدكتور دويعر الأهالي بأن يدركوا حجم الآثار السلبية لاستخدامهم المربيات في حياة أطفالهم القادمة، فالخطوات اللاحقة لشخصية الطفل بنظر الدكتور دويعر تتحدد بنجاح الخطوات والمراحل الاولى بحياته.

أسس اختيار المربّية

وتؤكد الدكتورة ندى مواس أستاذة علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية على أن تخصيص مربية للطفل يتوقف على طريقة انتقاء المربية وهذا يتطلب أمور عدة منها جدارتها وامكانياتها في التعامل مع الطفل من حيث النظافة والإطعام والأسلوب الحكيم المدروس بما يضمن سلامته وتوفير الراحة والأمان له في أوقات غياب الأهل .

مضيفة أنه من المفروض وضع شروط ومعايير معينة لتخصيص مربية للطفل منها (العمر -التعليم -ويفضل تأهيل علمي ضمن هذا المجال (رياض اطفال) وبهذه الحالة ستكون المربية قادرة على التعامل مع الطفل ومدركة للحدود التي لا يمكن تجاوزها وذلك يتم بالتنسيق مع الأم أو الوالدين .

ضرورة مراقبة حالة الطفل

وتشير الدكتورة مواس إلى أنه يجب على الأم الانتباه إلى طفلها عند عودتها إلى المنزل واستجوابه بطريقة ذكية وغير مباشرة لمعرفة ما يحصل في غيابها وللتأكد أن طفلها يشعر بالأمان ، منوهة إلى ضرورة تحديد برنامج واجبات المربية تجاه الطفل دون التمادي في منح الحب والحنان الزائد للطفل من قبل المربية (الغمرة أو تقبيل الطفل ) لأن هذه العواطف تقع على عاتق الأم فهي مصدر طاقته وسعادته فلا بد من إشباع الطفل عاطفياً من قبل الاهل خشية من تعلقه بمن يسد النقص العاطفي لديه والذي قد يجده في مربيته ، إذ يمكن للمربية الاكتفاء بتقبيل يد الطفل وفق تعليمات الأم المتيقظة لطفلها .

وتلح مواس على الأمهات ضرورة مراقبة حالة أطفالهن عند عودتهن للمنزل وملاحظة أي أسلوب غريب أو أثر في جسد الطفل ناتح عن الضرب أو التحرش الجنسي أو ابتزاز في حال الشك بأمر المربية ، منوهة إلى أهمية تمتين الثقة بين الأهل والمربية ومعاملتها بشكل جيد خشية من ردات فعل عدوانية أثناء غضبها من الأهل وتوجيه انتقامها نحو الطفل بالضرب والعنف مستغلة غيابهم .

تأطير عمل المربيات قانونياً

وتشدد الدكتورة ندى مواس على ضرورة إطالة مدة الحضانة للأم فبنظرها – أي الدكتورة مواس – أن ثلاثة أشهر فترة غير كافية لرعاية الطفل في المراحل التي تتطلب وجود الأم والأب على حد سواء ، قائلة: حبذا لو يمنح الأب حضانة إلى جانب حضانة الأم كما في عدد من الدول الغربية التي تمنح الأم والأب حضانة أبوية لمدة عام فالطفل بحاجة لوجود والده فأغلب الآباء منشغلون في العمل وكثير منهم لا يعودون حتى ساعات متأخرة من الليل فكيف يشعر الطفل بوالده أو متى يراه؟ .

وتوجهت مواس برسالة للأمهات والمجتمع بشكل عام مؤكدة على ضرورة الدقة والحكمة في انتقاء مربيات لأطفالهن ووضع برنامج عمل لهن للقيام بواجباتهن المطلوبة وعدم تقاعس الأم عن منح طفلها كل ألوان الحب والحنان والرعاية مع استمرارية الرقابة الأبوية إلى جانب عمل المربية وضرورة تأطير عمل المربيات وفق بند قانون العمل الاجتماعي وتخصيصه بخريجي رياض الاطفال وفق ساعات عمل محددة وشروط تتناسب مع طبيعة عمل الوالدين وظروفهما .

للظاهرة آثار سلبية

ويرى الدكتور احمد بحري رئيس قسم علم الاجتماع في كلية الآداب والعلوم الانسانية أن الظاهرة طبيعية ولكن لها آثار سلبية وآثار إيجابية وهي ترتبط بظروف الحياة لدى الأسرة والتزام المرأة والرجل بالعمل اذ أن كثيراً من النساء يشترطن على الرجل في مرحلة الزواج ضرورة إحضار مربية أو خادمة ، وهنا تتمحور المشكلة في المزج بين الاختصاصين و حصره بمن ليس من أهله فاختصاص المربية بعيد كل البعد عن اختصاص الخادمة أو المقيمة وهذا مالم يتم تداركه في مجتمعنا وكان له آثار سلبية ومنها اكتساب الطفل لسلوكيات المربية ، خاصة أن فترات جلوس الطفل مع المربية تكون طويلة ، والأهم من ذلك الخوف من السلوكيات المنحرفة واللاأخلاقية للمربية وغير المرغوب بها واكتساب الطفل مفردات وعادات بيئة مختلفة أو وبلد مغاير تماماً عن ألفاظ و عادات بلده أو بيئته ، وقد يولد انتقاء مربية بطريقة عشوائية أو ما يسمى مقيمة إلى آثار سلبية أخرى كالعزلة والميل للعدوان والاتكالية المطلقة على الغير والكسل .

غياب الأهل الطويل يؤدي لانطوائية الطفل

ويبين الدكتور بحري أن الغياب الطويل للأهل عن الطفل خارج المنزل قد يولد لديه حالة انطوائية وعزلة ونوع من الاحباط والشعور بالذنب إضافة لفقدان الثقة بالمجتمع نتيجة الحنان المكتسب من الغير والذي قد ينتهي بشكل مفاجئ عند ترك المربية للعمل وعودتها لبلدها .

ويلفت بحري إلى أن تجاوز الآثار السلبية لهذه الظاهرة وتخطي مراحل الخطر التي قد تصيب نفسية الطفل يكون من خلال حرص الأبوين على منح الطفل الحب والحنان وعدم التخلي عن دورهما والجلوس معه وتنظيم ساعات بقائه مع المربية إضافة لحسن اختيار المربية القادرة على التعامل مع طفلهم بشكل سليم بما يؤمن له الراحة والحماية والأمان في فترات غيابهم .

وفي الختام

حالة الطفل سامي هي إحدى النماذج الموجودة في مجتمعنا والتي نشأت نتيجة استهتار الأهل وضعف الإدراك عن كيفية التعامل مع طفلهم معتقدين أن الألعاب والمربية والتلفاز والأشياء الترفيهية تعوض غيابهم الطويل عنه، ولم يتيقنوا إلا بعد فوات الأوان أن غمرة الأم وقبلة الأب تعادل ألعاب العالم بالكامل ولن يستمد الطفل قوته وسعادته وحبه للحياة وفرحه إلا من والديه.

رقم العدد 15797