فنان الشارع" الحاج علي مرعي " لمحة من إرادة إنسان ..

الجماهير - أسماءخيرو .

عندما تعاندك الظروف اقهرها بالعمل وكسب محبة الناس، تلك مقوله ليست لأحد مشاهير الأدب أو الفن إنها مقولة لرجل بسيط اتخذ من الشارع مكانا له لبيع نتاجاته الفنية وممارسة موهبة الرسم التي يمتلكها.. نموذج حي يتمتع بإرادة قوية تحفزه على مضاعفة العمل ومواصلة الحياة بالرغم من أنه تخطى العقد السادس من العمر ، الظروف القاهرة والسعي وراء الرزق جعلاه دائم التنقل من حي إلى حي بأعماله الفنية ، إلى أن استقر في الوقت الحالي على أحد الأرصفة في حي السبيل بفضل مساعدة أهل الخير .

وفي حديث معه للجماهير قال فنان الشارع الحاج علي مرعي بأن الرسم كان ومازال عشقه الأبدي، هذا العشق جعله يحيد عن السير في الطريق الذي رسمه له والده بالعمل في مجال بيع العقارات، مهنة والده الأصلية، .إذ إن موهبة الرسم ظهرت لديه منذ أن كان في السادسة من العمر ، فعمل على تنميتها بجهود شخصية وليس أكاديمية إلى أن أصبح يستطيع الرسم بمهارة فائقة، فهو يرسم كل مايقع عليه بصره ومايخطر بباله وكل ماهو موجود في الذاكرة ، لافتا إلى أن نتاجه الأول كان رسم صورة شخصية للرئيس الخالد حافظ الأسد بقلم الشيح ..

الحاج علي الذي كان يطوف الحارات متخذا الأرصفة والحدائق ركنا لعرض أعماله الفنية يشير إلى أن الأزمة السورية أرغمته في البدء على أن يطوف الحارات ويجلس على الأرصفة ،إذ كان قبل الحرب يقطن مع عائلته المكونة من سبعة أفراد في حي الأنصاري ويعمل هناك، ولكن الإر*هاب جاء وأخذ معه كل شيء، واليوم يقطن في حي الحيدرية .ويقول بأن عددا من أهل الخير قدموا له المساعدة بأن أوجدوا له مكانا استقر فيه بدلا من التنقل هنا وهناك ، وها هو اليوم يستقر في حي السبيل ويمارس هوايته المفضله التي هي السبيل الوحيد لتأمين بعض من الاحتياجات الأساسية لعائلته، مبينا بأنه يمتلك مواهب أخرى إضافة للرسم، إذ إنه يتقن الحفر على الصابون والنحت وعمل لوحات جدارية من الفسيسفاء، كما يتقن العزف على العود الذي تعلمه بالتحاقه في تلك الأيام بمعهد حلب للموسيقا، ونظم القصائد الشعرية والزجلية، ولقد نظم كلمات زجلية خلال حديثه أهداها للرئيس بشار الأسد بمناسبة فوزه في الانتخابات الرئاسية..

ومن ثم تابع فقال: أنا لم أعرف يوما ماهو المستحيل كنت دائما أصر على متابعة إتقان فن الرسم بالرغم من أني واجهت الكثير من الصعوبات والعثرات ، كنت أتدرب على الرسم بشكل يومي وأقوم بعرض أعمالي على جار لعائلتي اسمه الفنان "محمد هاشم زرزور" وأطلب منه أن يقيم أعمالي، وكان دائما لايمنحني الدرجة التامة لأنه أراد أن يصنع مني فنانا مبدعا ، كان دائم النصح لي وأكثر نصيحة أتذكرها منه بأنه قال لي أنا لا أمنحك الدرجة التامة حتى لايصيبك الغرور " فالغرور يقتل الإبداع " وهكذا بتوجيه من هذا الفنان تابعت عملي في الفن، ولكن توقفت لفترة بسبب معارضة والدي، وعندما التحقت بالجيش كنت أمارس موهبتي على ألواح الصابون ، ويوما ما رأى أحد زملائي أعمالي وأعجب بها وأخبر رؤوسائي في الجيش فطلب مني أن أصنع للرئيس الخالد حافظ الأسد عملا نحتيا وبالفعل استطعت أن أصنع عملاً جميلا نال الإعجاب وحصلت عليه في تلك الأيام مكافأة وشهادة خبرة، ولكنها ضاعت عندما تهدم بيتي بفعل الإر*هاب .

الحاج مرعي ليس لديه أيه طقوس معينة حين يرسم وهو قادر على استخدام جميع أنواع المواد الخام من فحم وشمع وحجر وألوان زيتية ومائية، كما أنه يستخدم الإسمنت الأبيض لتشكيل بعض الأعمال الفنية ، وهو يكره التقليد ويصفه بالمرض ويحب الابتكار، رسم العديد من الشخصيات الشعبية والرسمية، فأعماله تتنوع مابين اللوحة المنشغلة بتجسيد المكان بتفاصيله الروحية، واللوحة المفعمة بدلالات رمزية، يحب كثيرا الاختلاط بالناس ويتقن الاستماع لقصصهم وهمومهم التي على حد قوله هي من تصنع الفنان لا العكس ، إنه فنان استطاع أن يكسب قلوب الناس ، فكل من يتعرف إليه يمد له يد المساعدة ، وهو اليوم ممتن لكل من ساعده في محنته وخاصة من أمن له المكان حتى يستقر بأعماله ويرتاح من التنقل بين الحدائق والحارات.

قال في ختام حديثه بأن الحياة علمته الكثير ، إذ كانت أشبه برحلة قاسية عانى فيها الكثير بدءا بوالده الذي لم يهتم بموهبته ويقدرها وصولا إلى الحرب التي جعلت أحواله المادية متردية، آملا بتحسن أوضاعه المعيشية ، طالبا من كل من يحمل موهبة أو يحب شيئا أن يعمل على الاهتمام به وعدم إهماله مهما عاندته الظروف ، فالإنسان هو من يصنع قدره بيده لا العكس.