الشاعر يوسف طافش في رعاف الليل...

العدد: 
11971
ثلاثاء, 2005/11/22
مجموعة "رعاف الليل " المجموعة الرابعة للشاعر يوسف طافش بعد ( رقصات الورد والجنون وتراتيل الرماد وكنعانيات) تتضمن /17/ قصيدة من إيقاع التفعيلة ,

جاءت في /180/ صفحة من القطع الوسط, إصدار اتحاد الكتاب العرب بدمشق عام,1990 على الغلاف الخلفي للمجموعة, كتب ( قصائد تعايش الحدث العربي الفلسطيني الأهم في العصر الحديث , وهو انتفاضة الأهل في الأرض المحتلة وتستلهم التراث العربي الفلسطيني في رموزه البعيدة والقريبة على حد سواء...يجمع الشاعر بين أصالة التراث والمعاصرة الحديثة , وضمن لغة تصويرية شفافة , وشعور بالمعاناة قادر على النفاذ الى القارئ )..‏

وأنا بدوري لا أختلف مع هذه الخلاصة , فالجمع بين الأصالة والتراث والمعاصرة والحداثة, أهم ما تتميز به المجموعة , من خلال ربط الشكل بالمضمون معاً , بلغة تصويرية شفافة, ذات دلالات لغوية جديدة,وإيقاعات غنائية ملفحة بالحزن....‏

وكنعان , وكنعانيات , والكنعانية..وردت في قصائد الشاعر( عنوان مجموعة وعناوين قصائد وفي سياق الجملة الشعرية ) بما يؤكد انتماء الشاعر وإيمانه بأصالته وتراثه...‏

ومنذ بداية المجموعة في أول قصيدة "حكاية الجليلة والفتى كنعان" يقول : سجنوا الجليلة في دمي / ونفوا شراييني الى صمت القفاره/ هي فتنة الدنيا ورائعة الزمان ( جليلتي ) / رسموا على أحداق دهشتها/ غياهب غربتين ..‏

يؤكد على الثنائية ( غربتين) كما في المجموعة السابقة " كنعانيات" وردت /20/ مرة وها هي تعود منذ أول صفحة في المجموعة....‏

وفي الصفحة الثانية يعود الى الثنائية في قوله : (ليلتان من الشموع ..وصورتان من الدموع...) تتكرر الثنائية /10/ مرات في المجموعة .. وقصيدة " حكاية جليلة والفتى كنعان " رمز لفلسطين والفتى كنعان كناية عن العرب .. تتجلى الشفافية التي تصل أحياناً الى الضبابية للرمز الذي يهدم الشاعر في مساراته كثيراً ...( غارات النيازك- خيول الريح - ماء الروح) انزياحات لغوية ذات دلالات لغوية جديدة يكررها الشاعر في كل قصيدة... الى أن يقول في آخر القصيدة /ص19/ : فرسي تعض صهيلها / دوامة الرعد المجلجل / برقها يدمي السحاب .. , والقصيدة حوارية بين المحدث والفتى من خلال مقاطع القصيدة قال الفتى .. صاح المحدث .. وتكرر الثنائية : "شقاك ياكنعان ... - مابين سيفي والجزيرة طعنتان .." الى أن يقول في آخر القصيدة /ص23/ : " فليكن موتي لأجلك يا جليلة من علامات القيامة .."وقد جاءت القصيدة على شكل حكاية من خلال حوار يوصل القارئ الى مايريده الشاعر.. فيما يتعلق بالقافية فهي على سياق ماتحدثت به حول المجموعة " كنعانيات " يستخدمها الشاعر أحياناً..وجملته الشعرية حرةبشكل عام غير ملتزمة بالقافية على الرغم من طول قصائد المجموعة قياساً بالمجموعة السابقة ...‏

يتابع الشاعر رحلته الشعرية عبر قصائد : سيدة الفرح العظيم والتي يخاطب فيها ( ايما..) بحالة فرح عظيم. نصف الصمت نصف الموت (يخاطب فيها ولده..ويذكر فيها بعض الألوان الغنائية في أسمائها: ( عتابا - مواويل - ظريف الطول - ثم قصيدة ذاكرة النشور والتي يؤكد فيها على نجاح الانتفاضة في فلسطين , ويتجلى ذلك في قوله (ص53):" ها إنني بلغت / فاشهد يا إله نزيفنا / زمن الكتابة بالحجر.."وفي قصيدة العبور/ص65/ يدخل الشاعر في فضاءات الحلم , في مطلع القصيدة يقول : " أنا الآن في الحلم / أو في تخوم الغياب / سديم يخدر عيني / لاجنة الصحو تغفو / ولاغيمة النار تهمي بجمر السبات" , ثم يقول :" أنا الآن أطفو على حلم الحلم/ بين الغياب وبين الحضور ... ( نلاحظ التضاد من جديد )... , ومن ثم يقول : " إذا انهار سقف السماء / وزلزلت الأرض زلزالها / فاعتصم بالسكوت.. ( تضمين من القرآن ) , ثم يعود ليقول في /ص69/ : " أنا الآن أوسط الجسروالحلم / صوت عميق يراودني .."وهي من أجمل قصائد الشاعر حيث يبحر في الحلم ...‏

في قصيدة أحلى الكلام /ص75/ يعود للحلم ليقول : " مالم نقله ظاهراً أحلى الكلام / مالم نجده في ثنايا الحلم أحلى من حقيقة الأشياء ألف مرة/ أجمل الأحلام " الى أن يقول : "الليل والنهار /آيتان الحلم والكلام برزخان/ مابين شاطئيهما / لغز اليقين ينجلي / ويهزج الحمام / لله سر الكون / سر الخلق في أحلى الكلام..", يتابع الشاعر رحلته عبر قصائد : صولجان النور - نصف القلب لايكفي ( الكنعانية الرابعة )- نحيب الغبار, والتي يقول في آخرها :"أمامك لاشيء/ غير نحيب الغبار/ ونعي لمعركة خاسرة .." إذا لم ينهض العرب من رقادهم فليس أمامهم إلا الهزائم ..وتتابع القصائد "أم عدنان ريحانة الذاكرة - ذكريات قروية- نواقيس السراب - نوافير- رعاف الليل ..‏

في قصيدة رعاف الليل /ص157/ يقول في مطلعها:" فتشت في جسدي / فكنت الهارب المسكون بالأضداد /في جسدي "..الى أن يقول : " أنت الضحية أم أنا..؟!/ لافرق إن الشمس مازالت تباكرنا وتلعب/ والكواكب في منازلنا تدور../ وهو بذلك يزرع الأمل من جديد في قلوب العرب للثأر ...‏

وتتتالى قصائد المجموعة: برقيتان - كلام على خمسة جدران - اغتصاب- انتباه - اغتيال - القرية - كابوس , ثم مونتاج أخير , يقول في كابوس /ص179/ : " وقبل الفجر وصلت الى حاضرة الفران / لكن الكاكي الأعظم داهمني / واستل رغيفي / فأمام مسدس هذا الأعظم يخرس كل لسان ؟ وتنتهي المجموعة ..‏

يحلق الشاعر في فضاءات عديدة تمتزج الذهنية فيها بالعاطفة في أكثر الأحيان , منوعاً وملوناً في لوحاته الشعرية, يظللها بالكحل الذي يزيد من فتنتها وسحرها , بلغة بديعة, تخدم المضامين والشكل معاً , وبما يرمز لها بشفافية عذبة..ولاينسى الصفر في رحلته ( والصفر يحمل معاني فلسفية عند الشاعر )لأهميته في عالم الأرقام , نجد ذلك في قصيدة نوافير (150) حيث يخصص مقطعاً يسميه الصفر , يقول فيه :" يعيرني القوم أني بدأت من الصفر/ ثم انتهيت به يوم هالتهم الجائحة/ فياليت قومي/ يعيدون ترتيب الضمائر/ بعض الخرائط/ ياليتهم رقموا قطرات دمي .." ويقول أيضاً في دائرة الصفر :"إذا ما أتاكم حديثي على دمدمات الخطر/ وصاحت كهوف الجبال/ ليبدأزحف البراكين/ تحت صليل المطر/ خذوا من جنوب دمي صحوكم/ واتبعوني/ ففي كل صفر حجر"..الى أن يقول في آخر القصيدة : "أنا الصفر / إن لم أكن في حساباتكم/ فكل حساباتكم خاسرة ..", وفي الشاهد قبل السابق نلاحظ استخدام الشاعر للقافية ( الصفر - المطر - الخطر ) ومثل هذا قليل في شعره...‏

واستكمالاً لما قلته من قبل يمكن القول : إن الصورة البديعة في لغة الشاعر مجسدة بالانزياحات التي تحمل دلالاتها الجديدة..وهي تعتبر وسيلة من الوسائل الملهمة لخلق التعدد في الجانب اللغوي , مما يساهم في خلق الصورة الشعرية المدهشة لجديتها وغرابتها وتلونها , كما رأينا من خلال الشمس والروح ..حيث برزت قدرة الشاعر على تحقيق المفاجأة للمتلقي في كل مرة.. والشاعر يمتلك ايديولوجية فكرية ناضجة أسكنها بمجازاته اللغوية من خلال الترميز الشفاف والمحبب الى القلب والروح معاً.. وذلك بإخراجه الرؤيا التي يريد أن يوصلها إلينا من خلال صور بديعة وغنية بجديتها وجمالها , وكل متأمل لمسارات تجربة الشاعر ( طافش) يحس ويلمس رؤيته الأيديولوجية التي يمزج بها الشكل الجديد والمعاصر بالجوهر ( الأصالة والتراث ) , وهو ما نفتقده عند الكثير من شعرائنا المعاصرين.. فالشاعر يلعب بصياغة دلالات اللغة كالعازف الذي يؤالف بين نغماته ونغمات اللغة نفسها.. من خلال إيقاعاته الغنائية المؤثرة.. وتأتي المقاطع في قصائده الشعرية بأنواعها وألوانها بداية مشروع كامل يتم بالتخطيط الذهني بشكل واع من قبل الشاعر, فالشاعر يمتلك فضاءات كونية خيالية ترتبط بالعالم الخارجي بما فيه الحلم والرمز, والشفافية , بحيث يتفاعل الشكل بالمضمون ليشكلا سيمفونية شعرية بديعة , نجد ذلك بتفاعل المبنى والمعنى معاً..‏

وإذا كان الشاعر الفلسطيني ( يوسف طافش ) يعايش الحدث العربي الفلسطيني من خلال استلهامه التراث العربي الفلسطيني في رموزه البعيدة والقريبة ( كما قرأنا على الغلاف الخلفي للمجموعة )وكذلك الجمع بين الأصالة والتراث وبين المعاصرة الحديثة..وضمن لغة تصويرية, شفافة ..فإنه استطاع أن يرقى بلغته الشاعرة وصوره البديعة الى فضاءات الشمس والروح معاً.. وان اشتغاله في بناء النص لم يكن على حساب المضامين مطلقاً..بحيث حقق الالتحام بين المبنى والمعنى معاً..وإذا ماعدنا قليلاً الى الخلف ,حيث يقول في قصيدة أحلى الكلام /ص78/ : " تجمهر الحنان في أثداء غيمة/ فهلّل الثرى .."نلاحظ أنسنة الغيمة والثرى أيضاً.. وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على قدرة الشاعر على توليد لغة دلالية من لغة عادية وأنسنة الأشياء.. وهذا بحد ذاته مخاض وولادة جديدة للغة , بل التحام لغوي بديع في صورة معاصرة.. ومن هنا تؤتي الشجرة أكلها من ثمر ناضج , نتيجة الجهد المبذول في خدمة المحصول , وهو ما وجدناه عند الشاعر يوسف طافش .‏

الفئة: 
الكاتب: 
محمد الزينو السلوم