مأساة مطربة سورية الأولى ماري جبران

العدد: 
12000
جمعة, 2005/12/30
نشرت مجلة أيام الشام التي تصدر عن الزميلة جريدة البعث دراسة عن مأساة مطربة سورية الأولى ماري جبران التي عاشت في أوائل القرن الماضي ننشره للتعرف على مأساة هذه الفنانة

حيث تنتهي حياتها بالفقر والجوع كغيرها من الفنانين والفنانات عندما لايدخرون شيئاً لنوائب الدهر وتقلب الأيام ونفور المعجبين وانكشاف المنافقين .‏

إلى ماقبل أربعة أعوام كانت مطربة سورية الأولى وقبل عامين أو ثلاثة كانت رئيسة لنقابة الموسيقيين في دمشق والذين تتبعوا المدرسة القديمة في الغناء والطرب هذه المدرسة التي تخرجت منها أم كلثوم وفتحية أحمد وسعاد محمد يذكرون تماماً الدور الذي لعبته في دنيا الغناء والطرب ...‏

اسمها ماري جبران وهي الآن نزيلة غرفة متواضعة في المستشفى الفرنسي بدمشق‏

وقصتها مأساة أعنف بكثير من مآسي يوسف وهبي .. فلنسمعها !‏

إن أغنية كارم محمود المشهورة »الحلو ما يكملشي « هي عنوان لمشكلة الجمال المزمنة في دنيا الغناء وعالم المطربات‏

فمنذ ربع قرن ومسارح الغناء العربي لاترى إلا وجوه مطربات يملكن حناجر هي هبة من السماء وفلتة من فلتات الدهر ,ولكنها في نفس الوقت لايملكن إلا رصيد قليل من الجمال‏

ولم يسجل تاريخ الفن العربي اسم مطربة واحدة جمعت بين موهبة الصوت ونعمة الجمال باستثناء ماري جبران التي كانت عندما تغني في مسارح دمشق وحلب والإسكندرية تتطاير طرابيش المستمعين من فوق رؤوسهم نشوة وطرباً وإعجاباً‏

بالصوت الجميل والشكل الحسن ! ..‏

ولقد اشتهرت ماري جبران في أوساط الغناء منذ ربع قرن , لا كمطربة ممتازة فقط بل وكسيدة فاتنة ساحرة أيضاً , حتى أنها لقبت ب¯ »ماري الجميلة« وفوق ذلك عرفت كمحدثة بارعة وصاحبة نكتة من الطراز الأول ...‏

وظلت ماري جبران محافظة على مكانتها كمطربة أولى في مسارح لبنان وسورية إلى أن تقدم بها السن ,وبدأت خيوط الشيخوخة ترتسم على وجهها الذي لم يتخل عنه رغم ذلك الإشراق والجمال !‏

واضطرت المطربة الكبيرة عندئذ خاصة أنها بدأت تحس بأن جمهور الصالات والمسارح بدأ يتحول عنها إلى المطربات اليافعات اللواتي يجدن الغنج والدلال , أن تعتزل المسرح وتبقى وراء الميكرفون فقط وكانت أغنياتها في محطة الإذاعة السورية تكاد تكون الشيء الوحيد الذي يسمع في هذه المحطة ! .‏

وفي إحدى الفترات احتفظ الموسيقيون بشيء من الوفاء لماري جبران وماضيها الفني اللامع فاتفقوا فيما بينهم على انتخابها رئيسة لهم أسوة بالموسيقيين المصريين الذين انتخبوا أم كلثوم ذات يوم نقيبة لهم ,وتم ذلك بالفعل إلا أن ماري نفسها لم تستطع أن تبقى في كرسي الرئاسة طويلاً خصوصاً أنها سيدة بيت وأم لطفل فاضطرت إلى الاستقالة لتعود وتنزوي في بيتها من جديد , ولاشيء يبعث التسلية في نفسها سوى ضحكات ولدها الصغير وذكريات المجد الذي استمتعت به أكثر من عشرين عاماً ! ..‏

وهناك مثل عامي يقول : إن الذي لاينبع ينتهي‏

وقد كسبت ماري جبران الكثير من المال في حياتها الفنية وكان دخلها الشهري لايقل عن عشرة آلاف ليرة , إلا أنها كانت تصرف مافي الجيب بانتظار خيرات الغيب بل إنها لم تفكر يوماً أن تضع أموالها في مشروع تجاري أو تبني بها عمارة أو تشتري مزرعة , كما يفعل معظم عباقرة الفن في هذا الزمن !‏

ولما كان القرش الذي يذهب لايأتي غيره فقد تبخرت ثروة ماري جبران في أقل من عامين أو ثلاثة ولم يعد لها من مورد سوى الثلاثمئة ليرة التي تتقاضاها كل شهر من الإذاعة السورية , ومع ذلك فإن هذه المطربة التي كان الذهب يتدفق بين يديها لم تترك أحداً يعيش بالضيق المالي الذي تعيش فيه , فقد كان لها بقية من كبرياء تمنعها من إحناء الرأس أمام أحد ...‏

وكان من السهل أن يظل الوسط الفني على اعتقاده بأن ماري جبران تتمتع بالثراء والغني ولكن الذي حدث أن حياتها الخاصة أصبحت فجأة أشبه بكتاب مفتوح يقرأه جميع الناس‏

فقد شعرت المطربة الكبيرة ذات ليلة بدوار عنيف في رأسها ,ولما ذهبت إلى المستشفى الفرنسي لتفحص نفسها , وضعها الأطباء حالاً في إحدى غرف الدرجة الأولى وقالوا لها بأن الضرورة تقضي بإجراء عمليتين جراحيتين لها في الحال ....‏

وكانت ماري جبران أمام أمرين لاثالث لهما فإما أن تمتنع عن إجراء العمليتين ,وفي هذا خطر مؤكد على حياتها وإما أن تتنازل عن البقية الباقية من الكبرياء وتعترف للناس بكل شيء ...‏

وفضلت الأمر الثاني واختارت زميلتها الحسناء المطربة نورهان لتعترف لها بأنها ستضطر إلى أن تطلب من إدارة المستشفى نقلها إلى القسم المجاني ... لأنها لاتملك أجرة النزول في غرفة بالدرجة الأولى وتحمّل تكاليف العمليتين الجراحيتين .‏

ودمعت عينا نورهان عندما سمعت القصة وآلمها أن تنزل ماري جبران في القسم المجاني بالمستشفى .‏

وهي مطربة الكبراء والعظماء الذين كانوا يرمون طرابيشهم في الهواء من شدة الإعجاب بها ...‏

وأسرعت نورهان إلى إنقاذ الموقف .. وكان أول مافعلته أنها اتصلت بوزير الداخلية الأستاذ علي بوظو وروت له مأساة المطربة التي تنتظر أية مساعدة , فإذا بالوزير الشاب وهو من أشهر محبي الأصوات الجميلة يندفع إلى المحافظة على كرامة المطربة المريضة ويتصل فوراً بإدارة المستشفى الفرنسي ليصدر أوامره بأن تبقى ماري جبران حيث هي , أي في غرفة الدرجة الأولى وأن تكون نفقات علاجها على حسابه !‏

وكانت ماري جبران قد اتفقت مع الإذاعة اللبنانية على أن يسجل معها عدة أغنيات مقابل مائتي ليرة للأغنية الواحدة فجاءت نورهان إلى بيروت وقدمت إلى الإذاعة مجموعة من تسجيلات ماري جبران التي كانت في الإذاعة السورية , وذلك حتى تأخذ ثمنها وتقدمها إلى المطربة التي تنزل في المستشفى الفرنسي .‏

بقيت نقابة الموسيقيين .‏

أن معظم أعضائها , بل ورئيسها الأستاذ تيسير عقيل نفسه , قد عرفوا بمأساة المطربة الكبيرة التي كانت في يوم من الأيام نقيبة لهم ,والتي غنت في أكثر من عشرين حفلة ذهبت إيراداتها إلى صندوق النقابة ...‏

ومع ذلك لم يتحركوا لمساعدتها ولا السؤال عنها .... فتأمل ! ....‏

ومن الجديد بالذكر أن ماري جبران هي من مواليد »1956 ¯ 1911« من أوائل المطربات السوريات .‏

ولدت في بيروت وانتقلت أسرتها إلى دمشق خلال الحرب العالمية الأولى , بدأت حياتها الفنية في التاسعة من عمرها ممثلة ومغنية في فلسطين والأردن مع خالتها الفنانة ماري جبران , عادت إلى سورية 1924 لتغني في ملاهي دمشق وحلب ,وحملت اسم خالتها لتستفيد من شهرتها سافرت إلى مصر وعملت في مسارحها , وتعرفت هناك على كبار الملحنين , عادت إلى سورية بعد سنوات لتعمل مع الملحنين السوريين وتغني أجمل أعمالها زنوبيا , خمرة الربيع , الشباب , دمشق ,وهي من تلحين الفنان زكي محمد .‏

انتخبت نقيبة للموسيقيين سنة 1950 , توفيت 1956 بعد صراع طويل مع مرض السرطان .‏

الفئة: 
الكاتب: