من أدبيات الملح

العدد: 
12076
اثنين, 2006/04/24
في أمثال المولّدين : »ملح على جرح« يضرب في تهييج الشر لأن الملح إذا رش على الجرح كواه وهيج ألم صاحبه .

ومن أمثال العرب أيضاً : »فلان ملحه على ركبته« إذا كان قليل الوفاء وكأنما يريدون أن يقولوا : إن ملحه موجود ما دام جالساً معك، فإذا قام نفضه فذهب وتناثر هنا وهناك .‏

والعامة عندنا تقول: فلان ملحه على ذيله أو على ثوبه، يعني أنه متى قام نفض الملح عن ثوبه وتناسى العهد الذي يربطه بجليسه فهو لا يحفظ الوداد، ولا يرعى الذمام، فالملح كناية عن الوفاء .‏

ولهذا المثل رواية أخرى هي : »شر الناس من ملحه على ركبتيه« .‏

وربما ضرب هذا المثل أيضاً للمرء النزق السريع الغضب، الذي يغضب من كل شيء سريعاً، ويكون سيء الخلق، أي إن أدنى شيء يثيره ويبدده كما أن الملح إذا كان على الركبة فإن أدنى شيء يبدده ويفرقّه ، قال الشاعر مسكين الدارمي في امرأته :‏

لا تلمها إنها من نسوة ملحها موضوعة فوق الركب‏

وفسر بعضهم هذا البيت بأن زوجة الدارمي لا تطمح إلى معالي الأمور، بل تنحدر إلى سفسافها وأنها من نسوة همهن السمن والشحم .‏

والملح بكسر الميم وسكون اللام : يذكر ويؤنث ، ولكن تأنيثه عند العرب‏

أكثر من تذكيره مثل قول الشاعر : »ملحها موضوعة فوق الركب« ولم يقل: موضوع.‏

ويقال : ماء ملح ، بكسر الميم وطعام ملح ، أي شديد الملوحة ولا يقال : ماء مالح إلا في لغة ضعيفة .‏

والعرب تحلف بالملح والماء تعظيماً لهما، ولفظ »الملْح« يطلق على العلم والعلماء والشحم والحسن والرضاع والحرمة والذمام .‏

يقال : فلان يحفظ حرمة الملح، أي الرضاع وقال الشاعر مشيراً إلى استخدام الملح في كثير من الأطعمة، ولاسيما عند تخزينها أو حفظها زمناً طويلاً لحفظها من العفونة أو الفساد :‏

بالملح يدرك ما يخشى تعفنه فكيف بالملح إذ حلت به العفن؟‏

وقد يستشهد بهذا البيت على مكافحة الفساد، فكيف العمل إذا فسد الملح نفسه، أي من بيده الأمر؟‏

وقد ورد ذكر الملح في القرآن الكريم في قوله تعالى من سورة الفرقان »53« (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج) وفي قوله أيضاً من سورة فاطر »11« (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه، وهذا ملح أجاج) ومعنى الأجاج: ما يلذع الفم بمرارته أو ملوحته .‏

كما ورد ذكر الملح في أحاديث نبوية كثيرة منها قوله عليه السلام :‏

» سيوشك أن تكونوا في الناس كالملح في الطعام ولا يصلح الطعام إلا بالملح «.‏

ومن أقوال النحويين والبلاغيين في بيان أهمية الملح وتشبيه النحو به: النحو في الكلام كما الملح في الطعام .‏

ولعل هذا كله جعل للملح عند العرب لطائف وطرائف، فهو كما رأينا يطيّب به الطعام ويكنى به عن الوفاء ، وأطلقوه أيضاً على العلم والعلماء - كما سبق- وعلى الحرمة والذمام .‏

ونقلت عن الملح عادات وتقاليد وأخبار طريفة ففي القرون الوسطى كانت تعقد معاهدات واتفاقيات لاقتسام الملح، وكان سكان الصحارى يوثقون الاتفاقيات فيما بينهم بأكل قطعة من الخبز مع الملح .‏

وفي اليونان كان هناك تقليد يقضي بأن يقدم صاحب المنزل لضيفه -على عتبة داره- الخبز والملح، رمزاً لصدقه وإخلاصه في استضافته .‏

وفي فرنسة كان الملح محاطاً بكثير من الخرافات، منها أن سقوط الملح على الأرض ينذر بنشوب خلاف وخصومة، وكان النساء عندنا ينثرن شيئاً من الملح على الأرض في المكان الذي يسقط فيه الطفل على رأسه ، وقاية له من الأذى .‏

وحتى اليوم مازالت هناك اعتقادات وخرافات عن الملح سائدة في بلاد كثيرة، ولا تفسير لها إلا أنها من آثار التقديس الماضي للملح، والاهتمام بأمره .‏

الفئة: 
الكاتب: 
محمود فاخوري