تاريخ القضاء في حلب

العدد: 
12204
خميس, 2006/10/19
ألقى المحامي مصطفى خواتمي محاضرة / عن تاريخ القضاء في حلب / في مديرية الثقافة تحدث خلالها المحاضر عن تاريخ القضاء في الاسلام مروراً إلى العصر الحديث ولمحة تاريخية عن تأسيس نقابة المحامين

وقد عمدنا إلى نشر المحور المتعلق بتاريخ القضاء في الاسلام وتطوره ولما للبحث من أهمية علمية وقانونية واجتماعية .‏

في بداية عصر الاسلام لم يكن هنالك العديد من المحاكم التي تنظر بقضايا محددة .‏

تتعلق باختصاصها وإنما هنالك ماكان يسمى ديوان المظالم الذي كان يعقد جلساته مرة في الاسبوع برئاسة الخليفة نفسه ويتكون من :‏

1 ¯ الحماة والأعوان لردع الخارجين عن القانون‏

2 ¯ القضاة : للاستعانة بهم فيما يثبت لديهم من الحقوق‏

3 ¯ الفقهاء : للرجوع اليهم في الأمور المعقدة‏

4 ¯ الكتاب : ويقومون بتدوين الأقوال والقرارات‏

5 ¯ الشهود : لأداء الشهادة‏

وديوان المظالم لازال ساري المفعول لتاريخه حتى اليوم في بعض دول الخليج وكان ديوان المظالم ينظر في الحالات التالية :‏

1 ¯ النظر في تعدي الولاة على الرعية .‏

2 ¯ رد الظلم في جباية الأموال وردها الى أصحابها ولو دخلت في حساب بيت أموال المسلمين .‏

3 ¯ كتابة الدواوين والتحقق من عدم تزوير المبالغ زيادة ونقصانا‏

4 ¯ متابعة أرزاق الجند ورد الحقوق المغتصبة من السلطان أو الوالي أو الأمير سواء كانت عقارات أو منقولة‏

5 ¯ متابعة الأوقاف العامة والخاصة والتحقق من صرفها وفق ارادة الواقف ومراقبة الناظر‏

6 ¯ تنفيذ الأحكام القضائية في حال عجز القاضي عن تنفيذها ومساندة ناظر الحسبة في حال عدم امكانية تنفيذ قراراته والنظر في بعض المنازعات التي ترفع اليه .‏

7 ¯ متابعة أمور العبادة الظاهرة كصلاة الجمعة والعيدين وأمور الجهاد في حال اعلانه من قبل الخليفة ولكن ما هي الفروقات بين القضاء العادي وديوان المظالم الذي ينظر فيه بحضرة الخليفة :‏

1 ¯ ان ناظر المظالم أعلى مكانة وأقوى نفوذا من القاضي وكأنه قاضي القضاة أو محكمة ادارية عليا ومحكمة النقض في يومنا هذا .‏

2 ¯ ان ناظر المظالم له القدرة على وجوب الحكم أو جوازه‏

3 ¯ ولقاضي المظالم أو الوالي أو الخليفة من الصلاحيات التي تكاد ان تكون مطلقة‏

4 ¯ لناظر المظالم القدرة على التأديب والتقويم والتهذيب‏

5 ¯ اختصاصه المكاني أوسع وأشمل من القاضي وقد يشمل معظم أراضي الخلافة الاسلامية‏

6 ¯ له حق كفالة أحد الطرفين أو الزامهما بالكفالة‏

7 ¯ يستطيع الناظر في المظالم ان يستمع لشهود مستورين خشية بطش أحد الخصوم لعلو منزلته في الدولة ولغناه وسعة نفوذه أما القاضي العادي فالشهود عدول مزكين من غيرهم‏

8 ¯ يستطيع ناظر المظالم استدعاء الشهود بالقوة بينما القاضي فصاحب الحق يكلف باحضار بينته . ولايختلف أحد على أن القرآن والسنة المطهرة هما أجل وأهم مبادىء العدالة والمساواة بين الناس وكان القضاة يعتبرونه الدستور الأساسي للدولة وكما هو معروف فان الدستور هو ( أب القوانين ) .‏

ولايمكن لأحد أن يتجرأ على الخروج عما ورد فيهما علماً ودينا وتجربة واقتناعاً بل نجد أن هذا ينسحب عما ورد في مؤتمر دولي عقد في لاهاي عام 1933 لمعرفة معنى مبادىء العدالة والمساواة التي ترد في كل القوانين وعلى القاضي في كل أنحاء العالم أن يلجأ اليها في حال عدم وجود نص قانوني أو اجتهاد قضائي مستقر يحكم بهما .‏

وقد خلص المؤتمر الدولي الى أن الشريعة الاسلامية تعتبر مصدراً ثراً لمبادىء العدالة والمساواة.‏

فالقضاء لايمنح لطالبه وللقاضي صفات ذكرناها سابقاً وكان الخليفة يكتب للوالي أو الأمير أن يعين فلاناً على قضاء حلب مثلاً فكان القاضي المعين في بعض الأحيان يرفض خشية من عدم احقاق الحق عن حسن نية وخوفاً من عذاب الله ورهبة من حديث النبي (ص)‏

( من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين )‏

وكانت مهام القاضي :‏

1 ¯ الفصل في المنازعات‏

2 ¯ الوصاية على القاصرين وأصحاب العاهات العقلية‏

3 ¯ المحافظة على أموال الأوقاف وتنميتها‏

4 ¯ تزويج الأيامى بالأكفأ‏

5 ¯ تنفيذ الوصايا والهبات‏

6 ¯ اقامة الحدود‏

7 ¯ تحري أحوال الشهود والأوصياء‏

أي قاضي مدني وشرعي وجزائي ومدير أوقاف في وقتنا الحالي .‏

وكان هناك قضاء خاص يتولاه نقيب الأشراف فمثلاً في حلب كان مقر نقيب الأشراف الأخير هو دار الافتاء الحالي , وكان المتخاصمون عادة في هذا القضاء من ذوي الانساب الذين يتصل نسبهم بأهل البيت فاذا لم يرض أحد المتخاصمين بالنقيب فيرجعون الى القضاء العام .‏

وفي عهد نور الدين الزنكي أمر ببناء دار العدل ولما سمع شريكه بذلك قال : اعلموا أن نور الدين مابنى هذه الدار إلا بسببي وحدي والله لئن أحضرت الى دار العدل بسبب من أحد جنوده ليصلبنهم وأمضوا الى من كان بينكم وبينه منازعة فاعطوه وأرضوه بأي شيء ممكن .‏

وفي عهد الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي فتح من سور القلعة بابا ينزل به باتجاه الجنوب وأعتقد أنه مكان دار الحكومة الخالي يجلس فيه للقضاء يوماً في الاسبوع وحين توفي دفن في جامع السلطانية أمام قلعة حلب .‏

ويقول الاخوان راسل في كتابهما : تاريخ حلب الطبيعي في القرن الثامن عشر :‏

( على الرغم من منح الباشا سلطات وحقوق واسعة إلا أنه لايستطيع الحكم بالاعدام دون قرار المحكمة أو فتوى من المفتي كما لايحق له إلقاء الحجز على أموال الناس لأن هذا يعود لمجلس الولاية ويأتي القاضي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد الباشا ويجب ان يكون متعلماً على دراية تامة بالشؤون الحقوقية والشرعية والعادات والتقاليد في الامبراطورية ويحكم في القضايا المدنية والجزائية وتنفذ قراراته محلياً من ضرب بالعصا أو الحكم بالاعدام اذا لم يتدخل الباشا في الحكم المبرم بالاعدام خاصة وهناك بعض الحالات أمر الباشا بإطلاق سراح السجين على الرغم من حكم القاضي ويعين القاضي من الباب العالي لمدة سنة واحدة ويعين القاضي نائباً له يدعى النقيب للاستماع للقضايا الصغيرة بينما القضايا الكبيرة والهامة يستمع اليها شخصياً في قاعة داخلية والى جانب المحكمة الرئيسية كانت في أحياء المدينة المختلفة ثلاثة إلى أربع محاكم أقل مرتبة يعين لها أفندي لحل المسائل القضائية الصغيرة .‏

وعلى الرغم من عدم تخصيص مرتب للقاضي لكن كانت له وسائله الخاصة للحصول على موارد غير مشروعة فالرابح في الدعوى هو الذي يدفع أتعاب القاضي وكان يبدو وهذا طبيعياً في مفاهيم العصر العثماني وكون القاضي نائبا للباشا فكان يحق له قانوناً ختم ممتلكات الميت بالشمع الأحمر ريثما يدفع الورثة ضريبة معينة على التركة .‏

ولاحظ القنصل الانكليزي بحلب الدكتور الكسندر راسل وجود أناس يشجعون ويحرضون طرفي النزاع للجوء للمحاكم وتكون لهم حصة من النقود تدفع لهم ويقبل القاضي الرشوة سراً , وبعد بضع جلسات يعلن عن قراره .‏

وكان من عادة القاضي أن يرحل عن المدينة قبل قدوم القاضي الجديد كي لايسمع الشكاوى الموجهة اليه وكان القضاة ينالون عشر الارث لذلك كان الآباء المتبصرون يضعون قسماً من أموالهم عند صديق أو يخفونه في مكان ما لعدم حرمان أطفالهم من الميراث .‏

وهذا مايفسر وجود الذهب في الجدران وتحت البلاطة وفي حال عدم وجود وريث شرعي يودع الميراث في خزينة الدولة .‏

كما تعود جميع ثروات وأملاك اعداء الدولة من العصاة والأجانب الى صندوق الحكومة ويعود للمفتي التصديق على جميع النشاطات السياسية والقضائية ويعلن عن قراره على شكل فتاوى وكان يحصل على بعض الأتعاب ويقدم القاضي قراره في بعض الحالات .‏

وكان القضاة جميعهم في العهد العثماني من الأتراك وفي العهد الفيصلي ( الحكم العربي ) :‏

عين الشيخ محمد الزرقا قاضياً عام 1918 وفي عام 1919 عين الشيخ بشير الغزي وفي عام 1920 عين الشيخ علي العالم قاضياً على حلب حتى دخول القوات الفرنسية .‏

ومن المعروف انه تمت عدة اصلاحات بناء على تدخل الدول الأجنبية وكانت بصدور القوانين التي أصلها فرنسي وهو قانون نابليون وذلك عام 1870 والذي صدر في فرنسا حوالي عام 1810 كما ظهرت ذيول لقانون الجزاء العثماني وأصول المحاكمات الحقوقية وبنيت السراي القديمة والملاصقة للسجن القديم في محلة الفرافرة جانب دائرة بلدية حلب القديمة ¯ الهجرة والجوازات القديمة ¯ بين المستدمية والجبيلة وكان لمحكمة الجنايات سرداب يوصل مباشرة للسجن عام 1870 وكانت تضم :‏

محكمة البداية : شكلت عام 1295 هجري بدلاً من مجلس التمييز ولها معاون ومدع عام وتقسم الى دائرة حقوق ودائرة جزاء ولكل منهما رئيس وعضوان مسلم وغير مسلم ولكل منهما أيضاً عضو ملازم ولكل دائرة كاتب أول يعرف باسم باش كاتب وأربعة كتاب ضبط‏

وظيفة هذه المحكمة فصل الخصومات في مدينة حلب ابتداء واعادة المحاكمات التي تصدر من الأقضية التابعة لولاية حلب فتنقض الحكم أو تبرمه ( أي استئنافاً ) .‏

ويشترط في هذه الدعاوى ألا يزيد المبلغ المدعى به عن خمسة آلاف قرش فإذا زاد عن ذلك فللمدعي الخيار اما أن يقبل أو يلجأ الى محكمة التمييز في استانبول .‏

ولدائرة بداية الجزاء طائفة تسمى الهيئة الاتهامية تتهم المدعى عليه بالجنايات أو الجنح ويلحق بمحكمة البداية مأمور تنفيذ الأحكام ويسمى مأمور الاجراء ومقرر أول وثان يعرف باسم مستنطق ومسجل صكوك يسمى ( نوتير ) أو مأمور المقاولات ونسميه الان ( الكاتب بالعدل ) .‏

الفئة: 
الكاتب: