من القلب ... المتواري

حين دخلت هذا المكان اخذتني الدهشة .. هو لا يشبه بيوت البشر فلا مقاعد ومناضد ولا اسرة بل صخور سوداء كبيرة كل واحدة لها فتحة معتمة ..عبرت من فوهة تشبه حفرة مستديرة الى صخرة كبيرة لا يتسرب اليها غير ضوء شحيح يضيء تلك التماثيل الملحية التي تتدلى من سقف هذه المغارة الهائلة سرت طويلا في العتمة محنية رأسي حتى أودى بي المسير الى مكان فسيح ومضاء بنوركأنه هابط من السماء .

هناك رأيت غابة من القواقع الجميلة والتماثيل الصغيرة وشلالات تهبط ذراتها من صخرة اعلى الى صخرة ادنى وفي اثناء مسيري رأيت بركا من المياه التي تتلون كل لحظة بلون وعرائش من اضواء صغيرة تضيئ وتنطفئ وشجيرات صغيرة اوراقها رقائق من الذهب .‏

صمت رهيب يحضن المكان لا ازيز ريح او هطول مطر , ولا حفيف شجر او حيوان يموء وضفدع ينق لا صوت انسان لا شيء .‏

كانت الارض مفروشة بحصى يلمع كحبات الماس واللؤلؤ والمرجان من بينها ممر يدل على طريق لاناس سبقوني اليه سرت فيه وفي كل خطوة تزداد دهشتي من رؤى مناظر لم ار لها مثيلا من قبل .. عن يمني كانت طبقات من الكتب المجلدة بجلد انيق قاتم اللون واسم مؤلف الكتاب يشع بلون اصفر .. عن يساري صور هؤلاء الكتاب الذين تركوا تأثيرهم واسماءهم الى قرون بعدهم . اعرف بعضهم واجهل اكثرهم .‏

سرت اياما ربما بين مؤلفات الكتاب العرب وصورهم وتفكيري يتراوح بين المتعة والرهبة والخوف من المصير .‏

تعبت , جلست استريح على جذع شجرة مقطوع ومحفور على شكل مقعد اخرجت نظارتي ورحت اتناول كتابا اثر كتاب اقرأ العنوان وسنة الطبع وابحث من بين الصور عن صورة ملائمة تتوافق مع المؤلف .‏

يا الله كم جميل ذلك الوقت لم اعد اشعر بالصمت والوحدة معي اناس حقيقون يتكلمون ويضيئون الروح والمكان بافكارهم كتاب عرب , اشعار قبل الاسلام , وبعده اشعار حديثة في زماننا هذا .. روايات , سير ذاتية ابداعات في المنطق والفلسفة وعلم الطب والفلك , جهاد , حكم , طرف , رحل , وغزل من ارق وارقى انواع الغزل قرأت ايضا لنساء مبدعات قديمات ومعاصرات لم اعد اشعر بانزياح الزمن حتى احسست انني اكاد اموت من الجوع والنعاس لا ادري كم امضيت من الزمن لا احمل ساعة ولا روزنامة لعلي امضيت اياما وسنين اقرأ دون ملل تساءلت ماذا سآكل هنا .. ? واين انام .. ? من بعيد رأيت شجرة جوز الهند وشجرة نخيل كسرت /جوزة/ هند شربت ماؤها وقطفت بلحا اكلته ثم حملت معي بعضا منه وتابعت تجوالي ..‏

حياتي الان لا اجمل منها سعيدة انا فوق حدود وصفي .. غفوت قليلا مسندة رأسي الى جدار احجاره بلون ازهار البنفسج تنبعث منه رائحة كعطره .‏

استيقظت رحت اتابع المسير بل الطيران كأن لي اكثر من جناحين ارتفع بهما بتؤدة وبتؤدة اطير ..‏

الى اين تأخذني اجنحتي ? يا الهي كأن الحبور بساط سحري يحملني الى عوالم مبهجة‏

لفت نظري وجود رجل يشبه رجل الثلج اقتربت اكثر رأيت رجلا وقورا يتكئ على اريكة يرتدي عباءة بيضاء بلون لحيته وشعره وفي يده سبحة حباتها وردية اللون الا ان وجهه وجه شاب وعينيه تلمع بالحيوية وحب الحياة .‏

/هديت/ امامه فابتسم ابتسامة اشرقت في وجهه وسربت لنفسي طمأنينة . سألته مشيرة الى ان اجلس فوافق لي مشيرا ان اجلسي .‏

بعد تبادل بعض الحديث وكسر طوق الخوف تجرأت وسألته‏

من أنت ..? تفحصني طويلا ثم تنهد وقال :‏

انا التاريخ .. قلت له مداعبة : وانا الجغرافيا‏

ضحك معي اضفته قطعة من جوز الهند وبلحتين قال :‏

انا لا آكل .. فقط اكتب قلت مازحة‏

وانا آكل واقرأ فقط .‏

- قولي لي .. ماالذي جاء بك الى هذا المكان ?‏

- حبي للمعرفة والمغامرة .‏

- ماذا تريدين ايتها الانسانة .. ?‏

- أريد ان ابقى هنا بقية حياتي ..‏

- هاربة من الدنيا ? أضفت ضاحكة‏

- من الدنيا .. /وبلاويها/‏

- أغبطك لسعادتك‏

- وانت ألست سعيدا ? صمت حزينا متأملا وراح هذا الرجل الوقور الابيض يبكي بشدة وسبحته الحمراء تدور بين اصابعه بسرعة وانا اكفكف له دموعه . سألته :‏

-ماالذي يبكيك يا صديقي ..?‏

- ألم اقل لك انا التاريخ ?‏

- اجل قلت لي ذلك‏

ادركت عذابه , خجلت من سؤالي وانخرطت معه في بكاء مرير قلت له بندم :‏

- كنت سعيدة ليتني لم التق بك , انا في حقيقة الامر هاربة منك فلماذا برزت لي في اجمل لحظات حياتي‏

انت اتيت الي وانا مختبئ هنا , وخجل اتوارى من القوم من سوء ما آلوا اليه .‏

- تعال نهرب معا , دع قلمك وسجلك هنا وامتنع عن كتابة هذا التاريخ ذلك افضل .‏

- لالا . اذهبي سأبقى مكاني لأسجل هذا عملي وقد خلقت له‏

- انت حر .‏

تركته, حلقت باجنحتي طرت بتؤدة في جو المكان حتى رأيت شعاعا يضيء الكون امام ناظري رأيت جداول منسابة بمياه كشلالات الفضة وارضا من حصى البحر المصقول ولآلئه وفي الصدارة على مرتفع من قطوف الزهر رأيت مصحفا مغلقا على جلده نقوش اسلامية رائعة احتضنته الى صدري قبلته ثم فتحت صفحة من صفحاته وقرأت :‏

بسم الله الرحمن الرحيم /واصبر على ما أصابك ان ذلك من عزم الأمور / صدق الله العظيم .‏

الكاتب: 
ضياء قصبجي