أين الله !!?

أين الله !!?

تساؤل في منتهى الخطورة كما هو في منتهى العظمة ... ليس هذا فحسب بل إن هذا التساؤل يستقطب الكون بكل ما فيه من ملايين المجرات وما تحتضنه من نجوم وكواكب وأقمار ... إضافة إلى كل ما هو مشبع بنسغ الحياة من إنسان وحيوان ونبات وما نعلم وما لانعلم مما خلق وذرأ في رحاب هذا الوجود الذي يمتد ويتسع على طول امتداد الزمان ... وإلى أن يرث الله الأرض وما عليها .‏

أين الله !!?‏

ذلكم هو التساؤل الذي شغل الفلاسفة والحكماء والمفكرين والفنانين والأدباء والشعراء وكل ذي عقل منذ بدء البدء وحتى يومنا هذا ... وهذا يعني بأن الوصول إلى إجابة معقلنة يعني الوصول إلى الحكمة وفصل الخطاب .‏

لذا دعوني أوظف لكم حدثاً تم في تاريخ سورية الحديث , وعلى وجه التحديد في أواسط النصف الأول من القرن العشرين وعلى وجه الدقة في عام ألف وتسعمئة وخمس وعشرين إبان الثورة السورية الكبرى التي قادها كل من ابراهيم هنانو والشيخ صالح العلي وسلطان باشا الأطرش ظللهم الله ومن جاهدوا تحت لوائهم في ظلال رحمته وغفرانه .‏

وإليكم الحكاية التي سمعتها منذ أيام وأنا أرتشف القهوة في مكتب الصديق العزيز جداً الحاج علي نحاس وبحضور الأستاذ حسين عموري والأستاذ عبد الله ... والذي أصرّ على عدم ذكر كنيته مع أنه الراوي الحقيقي لهذه الحكاية التي نحن بشأنها .‏

في أيام الاحتلال الفرنسي كان المجاهدون يقاتلون المستعمر وفق أسلوب الكر والفر معاً , وبما أنهم لا يمتلكون زاداً لقوتهم اليومي , فقد كان يستضيفهم أبناء القرى والأرياف بالسرية الممكنة وعلى تخوف من ضباط وجنود المستعمرين. لكنما بنفس الوقت , كان محكوماً عليهم أحياناً استضافة الجنود الفرنسيين خوفاً منهم ورعباً من سلطانهم الذي لا يرحم .‏

وذات يوم اخترق ضابط فرنسي وجنده منزل الحاج أحمد الحلبي في قرية »كفر عروق« المحاذية لمنطقة قرقنيا ووجد نفسه مضطراً لتقديم الطعام لهم سواء بحكم سلطانهم القاهر أو بحكم منطق ضيافة الغرباء الذي يتقنه أبناء الشرق في كل مكان وكان الضابط متوتراً إلى درجة عدم التوازن فتوجه إلى الحاج أحمد بالسؤال التالي:‏

لم تقاتلوننا أيها السوريون مع أنكم ضعفاء ونحن أقوياء ... لم تقاتلوننا وأنتم متخلفون ونحن متقدمون عليكم في كل شيء ... لم تقاتلوننا ومصيركم الموت أو الهزيمة ومصيرنا الحياة والنصر معاً !!?‏

فصمت الحاج أحمد رحمه الله قليلاً ثم قال له بتماسك ووثوق مطلق : نحن نقاتلكم لأسباب كثيرة , لكنما مرجعها سبب واحد نقاتلكم إرضاء لله .... فالله لا يرضى لعباده الذل والهوان ... لا يرضى لعباده الاستكانة للطغيان ... الله لا يرضى العبودية إلا لجلاله العظيم , لذا علينا أن نقاتل كل ظلم وكل عدوان لتحرير أرضنا وأنفسنا وأن تكون عبوديتنا لربنا وربكم ورب العالمين .‏

فقال له الضابط الفرنسي متهكماً : وأين الله ?!!‏

أجاب الحاج أحمد: الله في قلب كل واحد منا .‏

فقال الضابط ساخراً: إذاً لو شققنا صدر هذا الرجل وفتحنا قلبه سنجد الله .‏

وكان الضابط يشير إلى أسير معهم مكبلاً بالقيود .‏

فقال الحاج أحمد: إن الله في قلبه وفي قلوبنا جميعاً ولكنك لن تراه .‏

فتساءل الضابط : لم لا أراه مع أنك تزعم وجوده ?‏

وهنا أحضر الحاج أحمد إناء مليئاً بالحليب وكأساً من السمن, وقال للضابط : إن هذا السمن من الحليب ولكن هل بالإمكان رؤية السمن الموجود في هذا الإناء الممتلئ بالحليب ?!! ثم ذكر على مسمعه وحديث خاتم النبيين في القول الخالد على لسان رب العزة تبارك وتعالى : »ما وسعتني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن« .‏

وهنا أطرق الضابط قليلاً ثم قال: لقد قلت حقاً واقسم بالسيد المسيح أنكم ستنتصرون وأننا في نهاية المطاف مهزومون .‏

وأما أنا فأتساءل الآن: متى يدرك الغرب وعلى رأسهم جورج بوش والولايات المتحدة الأمريكية بأن المستقبل القريب يحتضن لهم الهزائم والدمار في كل مكان !!!!?‏

الكاتب: 
د. محمد الراشد