من القلب .. وحدة المسلمين

لقد الف الاسلام حين ظهر بين قلوب من اتبعوه واتخذوه دينا لهم فجعل منهم جماعة متآلفة يعاون بعضهم بعضا وينصره ويآزره وتجلت الوحدة والالفة بعد الهجرة الى المدينة المنورة اجلى مظهرا واوسع مجالا وابعد اثرا واشد قوة بما تم بين المهاجرين والانصار من الاخوة والولاء والمعاونة في السراء والضراء والمشاركة في الاموال والمناصرة في القتال والتعاون على النهوض والظهور والعمل على نشر دعوة الاسلام والوصول الى ذلك الغرض السامي الذي دعاهم اليه دينهم الجديد .

وطبيعي ان يؤلف الاسلام بين اتباعه فيجعل منهم امة قوية متحدة متماسكة اذا ما تمكن من قلوبهم واستولى على مشاعرهم وسيطر على افكارهم وذلك بسبب ما يدعوهم اليه من وحدة في الفكر وسمو في النفس والروح والسعي الى تحقيق الغاية المنشودة التي لأجلها جاء الاسلام ولتحقيقها شرع وما لهذا الدين من الاثر البالغ في العواطف والمشاعر والافكار .‏

لقد عني الإسلام كثيرا بتقوية الوحدة حتى جعلها اخوة بين المسلمين تنمحي فيها الفوارق وتختفي فيها الطبقات ويتساوى فيها جميع الافراد في حقوقهم وواجباتهم .‏

اراد الاسلام ان يجعل لهذه الوحدة مالوحدة الاخوة من القوة والمكانة والحرص على صيانتها والبعد بها على ان تتعرض لمعاول الهدم والتفريق واسباب الخضوع والنزاع فنزل قوله تعالى » انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون « الحجرات .‏

وليس ادل على مكانة الوحدة والترابط الاخوي من ان يعدها الله تعالى نعمة يمتن بها على عباده ويدعوهم الى الحرص عليها والتمسك بها ويحذرهم من الفرقة بعد اعتصامهم بها .‏

اذ يقول الله تعالى في سورة آل عمران » واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم اعداء فآلف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته اخوانا « ويقول ايضا في سورة آل عمران » ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوامن بعد ما جاءهم البينات واولئك لهم عذاب عظيم «‏

فوحدة المسلمين وتآخيهم نتيجة حتمية لاعتناق هذا الدين العظيم على وجهه الصحيح وان تلك الوحدة لا تتم الا بزوال الفوارق بين المسلمين من ناحية الوطن فلا يكون للمسلمين الا وطن واحد هي الارض التي تضمهم وتقلهم مهما اتسعت وتعددت جهاتها وتباعدت اقطارها ثم لا يكون لهم نسب ينتسبون اليه سوى الاسلام الذي جاء به الانبياء نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين .‏

لهذا كان الاسلام لا يعرف للمسلمين الا دولة واحدة تقام فيها حدود الله واحكامه حتى يبتعد بذلك عن منافسات الملوك وما تنتهي اليه غالبا من قيام الحروب بينهم حتى يكون ذلك وسيلة تتوحد بها مشاعرهم وافكارهم واغراضهم وتربيتهم فيكونون جسدا واحدا اذ اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى تلك هي الوحدة الاسلامية التي يدعو اليها الاسلام ويجعلها فوق كل رابطة .‏

الا ترى كيف جعل حب الله ورسوله والانتماء والاتباع به من مظاهر الوحدة الاسلامية فوق كل حب يترك من اجله حب الاباء والابناء والاخوان والعشيرة مما يجمعهم رابطة النسب او الجنس عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم » لا يؤمن احدكم حتى اكون احب اليه من نفسه وولده واهله والناس اجمعين « ماأراد الاسلام الا الوحدة في كل شيءالوحدة في التضامن والتعاون والوحدة في الحقوق والواجبات فالمسلمون جميعا في نظر الاسلام سواء لا فضل لعربي على اعجمي ولا ابيض على اسود الا بالتقوى .‏

نص لا يقبل الجدل ولا التأويل اذ صرح بكل قوة » ان اكرمكم عند الله اتقاكم « وحذر من الاختلاف في الكلمة ووحدة الصف قال تعالى » ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم «‏

ان اعظم نعمة امتن الله بها على عباده هي الالفة بعد الفرقة والمحبة بعد العداوة كما قال تعالى في سورة الانفال » هو الذي ايدك بنصره وبالمؤمنين والف بين قلوبهم لو انفقت مافي الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله الف بينهم «‏

الكاتب: 
الشيخ عبد اللطيف الشامي