الكمال في وعي الجمال

حينما كنت استمع بشغف منذ أيام الى صوت الفنان المهندس ظاهر الجسري وهو يشدو في صالة مديرية الثقافة بحلب باقة من الألحان التي كان كل من الراحلين أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب قد أطربا بها جمهورا واسعا ممن عايشوهما في الماضي , كنت أراقب مدى تفاعل الحضور ليس فقط مع الأداء الجميل المتميز الذي اعتدناه من هذا الفنان الذي عشق التراث بل مع اللحن الأصيل والكلمة الملتزمة .

في تلك اللحظات الممتعة لم يغب عني تساؤل طالما ألح علينا بقوة : مادامت قيم ومعايير الجمال حية في النفوس فلماذا هذا الإقبال الهائل على مستنقعات الفن الهابط التي طغى فيها نقيق الضفادع على همسات النقد الخجول وهو ينظر بعين شبه مفتوحة الى جموع من الراقصين الذين أراحوا رؤوسم من حمل أدمغتها فجعلوها في / ركبهم / غير منتبهين الى المعاني والى ما يفترض أن تحمله من إيحاءات ...?‏

هل طرأ تغيير جذري على الذوق والاستيعاب الجمالي لكل من المبدعين والمتلقين نتج عنه ظهور اصناف جديدة من الفن مغايرة لما عهدناه من إبداعات بات كثير من المنتمين الى زمر الفنانين المعاصرين يصفونها بالرتابة وإثارة الملل مع أن كثيراً من أولئك قد يفاجئوننا باقبالهم على خزائن التراث وأداء اعمال مختارة من كنوزه ما يؤدونه إرضاء للمتذوقين محركين في نفوس المتلقين - وربما بشكل غير مقصود - جذوة الوعي الجمالي محرضين على عقد المقارنات بين مختلف الظواهر الفنية النابضة في عالمنا العربي المعاصر ..‏

وربما يجد القارئ في كلامي هذا تحاملاً على النقد أو اتهاماً له بالتقصير ومع أنني لم أبرئ النقد الحديث من تهمة التقاعس والتقصير إلا أنني أتهم الواقع الموغل في المادية والانحياز للمادة بإفساد الذوق العام والتأثير على سبل وعي الجمال حيث يغلب على الظن أن شركات الإنتاج الفني الساعية دائماً الى الربح أولاً وآخراً باتت تروج للفن الرخيص وتجعله بضاعة استهلاكية قصيرة العمر حتى أننا بتنا نجد كثيرا من الاعمال تلوح في الافق امامنا برهة ثم تنطفئ كفقاقيع الصابون او كأواني الاستعمال لمرة واحدة وهذه السمة الاستهلاكية باتت تطغى على معظم الاعمال الفنية بمختلف أنواعها خاصة بعد أن تراجع دور النقد الذي اضمحلت فيه جرأة التحليل ولم يعد في الغالب يسبر سمات الجمال في بنية العمل الفني فتحول من نقد تصحيحي الى نقد ترويجي إما تكسبا أو اجتنابا .... وربما ساعد على ترسيخ هذا الواقع سلبية المتلقي وانزياحه عن الفعل والتأثير الى الانفعال والتأثر ذاهلاً تحت ضغوط ما يسود الحياة من ضوضاء فرضها تزاحم المؤثرات على النفس البشرية التي لم تعد تجد فرصة للاستراحة والاسترخاء والتأمل والتمتع الروحي بمفردات الجمال فباتت تنظر الى الجمال بمعيار اللذة الحسية المرتبطة بالجسد بعيدا عن اشعاعات الروح على مفردات العقل .... ولهذا فإننا نلحظ بوضوح تراجعا في الاقبال على الفنون الراقية الهادئة المحفزة للخيال والتأمل كالشعر وضروب الأدب المقروء والموسيقا الكلاسيكية ...‏

وهنا ربما يتبادر الى أذهاننا التساؤل : من الذي يؤثر في الآخر الفنان أم المجتمع وهل يمكن اعتبار المبدع نتاج بيئة اجتماعية مزدهرة ..?‏

لا شك في أن التأثير متبادل لأن الفنان الحقيقي يسعى بكل ما أوتي من طاقات وموهبة الى الارتقاء بفنه والتأثير السامي بالمجتمع وفي ذات الوقت فإن السياق الاجتماعي هو المحفز والدافع في مسار الحركة الابداعية نحو الازدهار اما حينما ينظر الى الفن على أنه نوع من الترف ويدفع الواقع المادي بعض القوى الاقتصادية الى تنمية اصناف من المزيفين الملتصقين بالفن المتباهين بمظهرهم المصنع الى الصدارة مستخدمين عناصر الاثارة الغرائزية حاملا لما ينتجون من مظاهر جمالية في شكلها فلابد حينها ان يشكل ذلك الأمر واقعا ضاغطا على المبدعين الحقيقيين الذين سوف يشعرون بمدى عجزهم عن التأثير الفاعل في تضاريس ومفردات بيئتهم الاجتماعية ثقافيا وفكريا وحضاريا وبالتالي في مدى تقصيرهم في امداد الوعي الجمالي الجمعي بالقدرة على التمييز بين الجمال والإحساس بمجرد النشوة الحسية السطحية ..‏

لاشك في أن المجتمع بحاجة ماسة الى رفع درجة الوعي الجمالي لدى افراده لأن هذا الوعي هو الذي يصل بالفرد الى بوابة الصلاح ليحرض فيه الرغبة بالتكامل مع محيطه والأداء المتناغم مع نبضه فيرقى به الى مستوى القدرة على الإبداع والابتكار لأن الفن والإبداع ليسا ترفا بل هما حالة تقدمية نحو المستقبل ومادامت الحياة في سيرورتها وصيرورتها المعهودتين فإنه لا يمكن الاعتقاد بأن الزمان قد عقم فلم يعد ثمة مجال لإنجاب المبدعين لكننا اليوم بحاجة الى إعادة النظر في أسس تنمية وعينا الجمالي وتصحيح مفاهيم إحساسنا بالجمال وحينما ندرك ذلك لن تجد هذا الإقبال على النماذج المشوهة المسماة بالفن الهابط بل لن نجد من يرمي الأوساخ في الشوارع والساحات أو يخرب في البنى الجمالية العامة أو يظهر أمام الآخرين بمظهر يشوه المجتمع بأكمله .. بل سنجد مجتمعاً راقيا يبصر الحاضر والمستقبل معا بعين المتفائل الساعي نحو الكمال عبر ادراك الجمال والحرص عليه حمداً لربّ الجمال ..‏

الكاتب: 
محمد حسام الدين دويدري