من القلب ... باقة حب .... لكل الأمهات

لا يشعر المرء أنه قد بدأ يكبر ويشيخ إلا حينما ترحل أمه , عندها يلمس آثار رحى السنين ووطأتها عليه وفي لحظة يقترب بها عيد الأم من كل عام يعرف معنى ذلك الحزن الذي يحتاج إلى كبرياء الرجال ونجاحاتهم ...

يومها عرفت كيف يتلبس ذلك الحزن السرمدي كل صغير فقد أمه التي كانت له كمثل البوصلة لقائد سفينة في محيط الحياة .... رحلت أمي التي كانت السنوات مكتنزة بحضورها الإنساني الخلاق كتبت لها في صباي أول رسالة حب إلى امرأة وهذه الآن آخر رسالة حزن إلى امرأة لم يهدها باقة ورد لم يتذكرها مخلوق في عيد ميلادها لم تصلها بطاقة حب بالبريد من أحد لكنها كانت قافلة حب وشجرة ميلاد وارفة الظلال .... شجرة للحلوى وحقول من الكلام الجميل يتدفق منها ما يشبه ماء الينابيع العذبة تحضرني جميعاً كما تحضرني رائحة خبزها وقهوتها ومسحة يديها ...‏

ترحل الأم فيسقط سياج العمر ويتلبسني خوف من حياة فارغة بدونها في صحراء مقفرة يا لها من صحراء بائسة موحشة .... رحلت أمي لكني اسمع صوتها يأتي من ذاكرة الأيام السحيقة ... اسمعها بكريات دمي وقلبها الذي كان يوماً محملاً بتعب كل القارات والمحيطات المضطربة وتستيقظ كل اللحظات المنهارة أمام تحولات الزمن العجيب وتقفز في ذاكرتي صورة أصابعها النحيلة وخاتمها المضيء وكفيها اللتين لا تمتدان إلا كباقات الخزامى محملة بالعطر والحنان والزعفران ... رحلت أمي التي كنت اهرب إليها من هجير تلك الأيام اليابسة عند غيرها والممطرة المضيئة معها .... وتركتنا ندخل قرناً بائساً موحشاً بعد أن كانت تحمل لنا قنديل العصمة والملاذ والرجاء .... كم افتقدناك في هذا الشتاء الراحل الطويل البارد الموحش الذي حرمنا دفئك أيتها البنفسجة تحت هلال ساهر وتركت لنا الوقت الكافي للانصات لأوجاع غامضة لا حدود لها .‏

رحلت أمي ... كانت النخلة الأخيرة في واحة يحاصرها الجفاف ... والقلعة الأخيرة في حصن تطمسه الرمال الزاحفة ... رحلت أمي ... نقص الكون نخلة باسقة أصلها ثابت وفرعها في السماء .‏

يا جنة العمر ... يا روحي التي رحلت‏

لا تسألي القلب هل أضناه ما لا قى ?‏

من لي بصدر حنون لا يساومني ....‏

ولا يرى في الهوى ذلاً واشفاقاً‏

يمضي ... قلب الأم يسكنني‏

ولا أرى بعده حباً وأشواقاً‏

الكاتب: 
حسام الأحمد